السيد محمد تقي المدرسي
16
قيم التقدم في المجتمع الإسلامي
وتقول : إن الفرد لا قيمة له إطلاقا ، فهو أشبه ما يكون ببرغي صغير في ماكنة المجتمع . وهذه النظرية تتمسك بالحتميات الاجتماعية ، وترى بأن حركة المجتمعات وتطوراتها نابعة من أنظمة عامة يخضع الافراد لسلطانها ، فلا يملكون أن يواجهوها أو يغيّروا منها شيئا إذا ما رأوا أنها تقودهم في الاتجاه الخاطىء . ولذلك فهذه النظرية تؤمن بفكرة الدورات الاجتماعية المنتظمة ، أي ان كل مجتمع لابد أن يمرّ بنفس المراحل التي يمرّ بها الإنسان في حياته . حيث يولد طفلا رضيعا ثم يصبح شابا مراهقا ، فرجلا ، فكهلا ، فشيخا ، فهرما ، ثم يموت . والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة ومتنوعة يعددّها أرنولد توينبي في كتابه ( مختصر دراسة للتاريخ ) . أمّا النظرية الثالثة ؛ والتي يؤيدها الإسلام وتقوم أنظمته وشرائعه عليها ، فهي تقف في الوسط بين النظريتين ، فتعطي للفرد أهميته اللائقة ، كما تعطي للمجتمع دوره المؤثر ، وتنظم العلاقات بينهما بشكل دقيق ومتوازن . . فالمجتمع يؤثر في الفرد ، والفرد بدوره يؤثر في المجتمع ؛ إنها لا تسلب الفرد إرادته ، ولا تحرم المجتمع من تلك القوانين والأنظمة الديناميكية التي تعطيه الوقود المناسب في مسيرته الحضارية التكاملية . وعلى هذا فهي لاتنفي تينك النظريتين ، وانما تربط بينهما بشكل تزول معه الهوة الفاصلة بين الفرد والمجتمع ، وتجعل الاثنين يتفاعلان مع بعضهما لما فيه خير الإنسانية وسعادتها . كذلك فهي ترى أن الدورة الاجتماعية المنتظمة ليست حتمية أبدا . ففي التاريخ الحديث مثلا نجد ان المجتمع الألماني كان مجتمعاً حيوياً يتفجر ثورة واندفاعا ، وكان باستطاعته أن يبقى زمنا طويلا