السيد محمد تقي المدرسي

99

في رحاب بيت الله

إن الأمر برمته قد لا يختلف عن ذاك الذي يأكل الطعام ليرفع جوعه ويملأ معدته فقط ، أو يأكل الطعام ليستلذ به ، ولكن العاقل فقط من يتناول الطعام لينمّي قوته ؛ أي ليسعى نحو تحقيق الأهداف التي من أجلها يقبل على الطعام . . وكذلك أمر الحج الذي له هدف كبير جداً ، رغم أننا قد نحرز أداءه من الوجهة الشرعية ، ولكننا من الوجهة العرفانية لما نحقق مقصده بعد . يقول تبارك اسمه : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْه اللّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَآ أُوْلِي الأَلْبَاب ، أقول : لعل هذه الآية هي الآية المحورية في موضوع الحج ، لأنها في الوقت الذي تبين أحكام الحج وتروكه ومدته ، تحدد أيضاً الهدف الأسمى منه . لقد جئنا إلى الحج لأننا نعرف أن أمامنا طريق طويل . . طويل ووعر . . فالمشاكل تعترضنا ، والفتن تحيط بنا ، والعقبات أمامنا ، ولسنا على يقين من أننا سنبقى متمسكين ، أم أن الفتن ، ولا سيما فتن آخر الزمان ستسلبنا إيماننا - والعياذ بالله - ، لا نعرف هل أننا سنتحدى الظروف الصعبة التي ستخوضها ، أم أننا سننهار في مقابلها . ربما يبقى الإنسان سنين طويلة مع الحق ، ولكنه قد يخسر كل ما ضحى من أجله في لحظة حاسمة واحدة . وربما يحدث العكس تماماً ، حيث يعيش المرء مع الباطل سنين طويلة وعمراً مديداً ، ولكنه قد يربح الدنيا والآخرة في لحظة إشراق واحدة . وهذه هي السعادة الحقيقية التي خلق ابن آدم من أجل الإحساس بها . وإنما جئنا إلى الحج لنضمن أكبر نسبة ممكنة من احتمالات السعادة ، وذلك عبر التزود بالتقوى ؛ التي هي زادنا الأوحد في الدنيا لمواجهة الفتن ، وزادنا عند الموت لمواجهة سكراته القطيعة ، كما هي