السيد محمد تقي المدرسي

9

في رحاب بيت الله

فالمرحلة الأولى للإيمان هي تصفية القلب من عبادة غير الرب الخالق ، لأن القلب إذا ما حجب بعبادة غير الله سبحانه وتعالى ، فإنه لن ينتفع بشيءٍ ، وإذ ذاك سيكون مثله مثل من يجلس في قصر مغلق على نفسه . . فلا ينتفع بالفضاء الرائع الذي يحيط بقصره ، أو أنه لا ينتفع بأشعة الشمس مهما أشرقت عليه ، لأنه محروم عنها بالجدران الضخمة التي تحجبه عن نور الشمس . ولذلك نجد الحديث الأول في سورة الحج المباركة مختص بالبحث عن عبادة غير الله عز وجل ، إذ يأمرنا الرب تعالى بنبذ هذه العبادة غير الشرعية وغير العقلية ، وأن نتوجه إليه وحده لا شريك له بكل قلوبنا . فيقول الله عز اسمه : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ لأنه لما يترسخ الإيمان الحقيقي في قلبه بعد ، فلم تنمو ملكة التقوى في نفسه ، فكان مصداقاً لقوله سبحانه : يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ، حيث لا يتوجه قلبه إلى الله تعالى ، وهذا هو ما يطلق عليه بالشرك الخفي . إن النبي إبراهيم عليه السلام وهو المؤذن الأول للحج بأمر الله تعالى لم يصل إلى التمكن من رؤية ملكوت السماوات والأرض ، كما يقول القرآن ، إلا بعد أن أزاح كافة الحجب عن قلبه ، حيث قام بتحطيم أنواع الأصنام النفسية والأسرية والاجتماعية والسياسية ، وأخيراً قام بتدمير أصنام الحجارة التي تمثل الرمز التافه لأنواع الأصنام والحجب . إذن ؛ فالمرحلة الأولى من الإيمان هي أن يصل المرء إلى حقيقة إلغاء غير الله من قلبه فيطهره تطهيراً . . أما المرحلة الثانية ؛ فتتمثل في تنمية الإيمان وتطويره .