السيد محمد تقي المدرسي
8
في رحاب بيت الله
عظمتها ، كان حجة أقرب إلى حج إبراهيم الخليل سلام الله عليه ، وإلى حج النبيين والأئمة والأولياء الأبرار . . فكيف نستطيع التزود بهذه الجوهرة الثمينة وهذا الفضل العظيم الذي أمرنا ربنا الكريم بالاغتراف منه بقوله : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ( البقرة / 197 ) ؟ إننا قوم رحّلٌ في صحراء قاحلة ، لا كلأ فيها ولا ماء ، وليس أمامنا إلا هذه المحطة الأخيرة وهذه الفرصة الذهبية . . فمن تزود منها استطاع الانتفاع من هذه الرحلة ؛ أي رحلة الحياة التي تتصل من الدنيا بعالم البرزخ ، ومن عالم البرزخ بعالم اللا نهاية . فأبناء آدم في هذه الدنيا ليسوا مجرد مخلوقات حية وجدت لتموت ثم لتتحول إلى تراب ؛ بل كان البشر قبل هذا العالم في عالم الأظلة والأشباح ، ثم أخرجوا إلى عالم الذر ، وبعد إلى عالم الأصلاب ، وهذا عالم الأنساب ، وبعد عالم البرزخ ، وتليه القيامة التي يعدل يومها خمسين ألف سنة من سنين الدنيا ، ومن ثم إما إلى جنة فيها كل نعيم ، وإما إلى نار فيها كل عذاب ونقمة . . وهاهي الدنيا ؛ فرصتنا الوحيدة التي تحوي نفحات الله المباركة . وعلى هذا الأساس ينبغي للإنسان المسلم المنشغل بأداء فريضة الحج ، أن يعلم بأنه الإنسان الذي انتخبه الله تبارك وتعالى من بين مئات الآلاف من أمثاله ، ولذلك عليه أن يتعرف على حكمة هذا الانتخاب ، وأن يسعى إلى استغلال هذه الفرصة وفي هذه الفترة المحدودة . أما التقوى التي يأمر الله عز وجل الحجاج بالتزود بها ، ويعلمهم بأنها خير زاد ، فإن محورها الأصلي هو الإيمان بالله ، ثم إن للإيمان بالله ناحيتين ؛ إحداهما تسبق الأخرى .