السيد محمد تقي المدرسي
55
في رحاب بيت الله
وممنوع عليه قول الفسوق ، فلا رفث ولا شهوة ولا نظرة إلى حرام ، ولا حضور في مجلس عرس ، ولا طيب ، ولا تأفف من رائحة نتنة . . هذه الممنوعات وغيرها تشكل فلسفة من فلسفات الحج القائلة بلزوم أن يتوحد أبناء آدم ما استطاعوا ، وأن يبحثوا ما أوتوا من قوة عن النقاط المشتركة ليجتمعوا عليها ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى ؛ فإن الله سبحانه وتعالى حينما سن فريضة الحج أراد للناس أن يشهدوا منافع لهم ، ولعل أرقى تلك المنافع هي مدارسة شؤون الحياة وتحويل الهموم إلى شحنات الأمل . فالمسلمون - في العصر الحاضر خصوصاً - يجدون أنفسهم محاصرين بمختلف أنواع الحصار الفكري والثقافي والسياسي ، وعليه فإن الحج يمثل الفرصة الأفضل لتفريغ ما في الصدور من لوعات ، إذ أن عرفات غنية عن أن يكون فيها المنبر أو المذياع أو الصحيفة ؛ وعرفات بدورها تختلف مطلق الاختلاف عن الأمم المتحدة التي لا يزيد عدد أعضائها على المائتي عضو ، فضلًا عن إن أعضاءها محكومون بأخذ المصالح الاستعمارية والأعرف الدبلوماسية بعين الاعتبار ، فإذا كان الفقير مادياً والمستضعف معنوياً وفكرياً لا صوت لهما في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى ، فإن مواقع الحج كلها أذن صاغية تعجز الجهود السياسية كل العجز عن صناعتها بهذه الطريقة الطوعية . ولك أن تتصور أن دولة ما أو جهة دولية ما تريد إقامة مؤتمر أو تجمع يضم مليوني إنسان - كما يضم موسم الحج - من كل العالم ، فكم يتوجب عليها أن تبذل من الجهود والإمكانات ؟ من الطبيعي أن ذلك سيكلفها المليارات من الدولارات ولا ضمانة أبداً لنجاحها فيما تبذله . ولكن الله سبحانه وتعالى جمع هذا العدد الغفير في عرفات وبأموال الناس أنفسهم ، وحسب الإحصاءات فإن الحجاج يصرفون حوالي أحد عشر مليار دولار لدى الموسم ، غير تلك الأموال التي