السيد محمد تقي المدرسي

17

في رحاب بيت الله

السعي بين الصفا والمروة أو في موقف عرفة أو منى . . فكل حاج يفتح الله أمام بصيرته نافذة على الغيب بطريقته الحكيمة الخاصة ، فيستجيب له دعاءه الذي يقول فيه : " اللهم أنر قلوبنا بضياء نظرها إليك ، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور ، فتصل إلى معدن العظمة ، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك " « 1 » . . إنني ومنذ فترة طويلة أحرص على مرافقة الحجاج وخدمتهم ، طالباً إلى الله سبحانه وتعالى أن يسقيني من ذلك الشراب الذي وعد عباده المؤمنين . وها أنا ذا أقصد هذه الديار المقدسة منذ سنين مديدة مفتشاً عن أولياء الله وأحبائه . . فوالله لقد شاهدت ذات مرة رجلًا عالماً من علمائنا الكرام وكان ذلك قبل ثمان وثلاثين عاماً - واقفاً في عرفة ، حيث لا ظل يقيه حر الشمس في شهر تموز ، وقدماه غاصتان في الرمال الملتهبة ، ودموعه تجري لساعات طويلة وطأنها الميزاب . . فحدثتني نفسي أن هذا الرجل هالك لا محالة ، حتى سمعت زميله يقول : بأن هذا السيد العالم كان يئن ويبكي في المزدلفة من أول الليل حتى الصباح ! ! فيا ترى ما الذي شاهده هذا الرجل ؟ ! وقد رأيت العديد من الحجاج الشباب يعفّرون وجوههم في تراب عرفة ويبكون بكاء الثكلى ، فماذا وجدوا ؟ ! أقول : إن كل هؤلاء قد سقاهم الله تلك الشربة ، وفتح أمامهم نافذة على نوره . . وهذا النور هو الذي يجذب المرء ليؤدي حجة

--> ( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 91 ، ص 99 .