السيد محمد تقي المدرسي
38
على طريق الحضارة
وَشُرَكائكُم ثُمَّ لَا يَكُن أَمْرَكُم عَلَيْكُم غمَّة ( يونس / 71 ) ؛ أي هاتوا كل قوّة لديكم ، وها أنا أتحدّاكم لوحدي ، ولنرَ من الذي سيغلب منّا في ميدان الصراع ، أأنتم بمكركم وضلالكم أم أنا المؤمن بربّي المتوكّل عليه ؟ وبهذه الصورة كان النبي نوح عليه السّلام متحرّراً من كابوس الخوف ، وشبح الهزيمة لا يهاب جموع الضلالة والعصيان ، فدخل ميدان الصراع التأريخي معهم حتى اندحروا ، وأُفنوا عن آخرهم ، بينما انتصر هو والقلّة التي آمنت معه . والنبي هود عليه السّلام هو الآخر وقف متحدّياً قومه ، معلناً لهم هويته التوحيديّة بعد أن استنكر عليهم شركهم وضلالهم قائلًا : اشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( هود / 54 ) . فقد أعلن براءته بمنتهى الشجاعة من أفكارهم المنحرفة ، وجاهليتهم ، وإرهابهم ، وأصنامهم ، ثم أكد تحدّيه هذا قائلًا لهم : فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ( هود / 55 ) . ذلك لأنه كان ممتلئاً بالثقة بربّه . وقد شهر النبي هود عليه السّلام سلاحه هذا الذي لا يقوى عليه سلاح عندما واصل خطاب التحدّي قائلًا : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ( هود / 56 ) . ولماذا لا يتوكّل على ربّه وبيده النواصي والآجال ، وبيده الأرزاق والأقدار ، كما يقول الله تعالى : مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ( هود / 56 ) .