السيد محمد تقي المدرسي

11

الإبتلاء مدرسة الإستقامة

حتمية الابتلاء المصيبة العظمى والداء الوبيل أن يخلد الانسان ويميل بكل كيانه إلى الدعة ، ويغرق في بحار اللذائذ والترف ؛ فيعتقد أن سر وجوده في هذه الحياة وفلسفته ، هما التنعم باشباع الغرائز والشهوات ، مثله في ذلك كمثل البهيمة المربوطة التي لاهمّ لها سوى علفها . وعندما يسود الذهن البشري اعتقاد كهذا ، يقضي بأن الحياة الدنيا هي الأساس والغاية ، وبنهايتها تكون خاتمة المسير والمطاف ؛ فلا حياة ولا نشور . فان هذه هي المصيبة الكبرى ، ذلك لأن هذا الاعتقاد يمثل الضلال المبين الذي يميت القلب ، والغشاوة التي تعمي الأبصار ، والسبب الحقيقي لمسيرة الانحراف الخطيرة في حياة الانسان ؛ ذلك لأن الدنيا لم تخلق ليركن إليها ، بل إنها قامت على كدر ومشاكل ومعاناة ، وجرت دواليبها بدفع من الجد والجهد والاجتهاد ، لذلك يقولتعالى : ( يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ) ( الانشقاق / 6 ) . وبالطبع فإننا لا نريد أن نلغي التمتع بالنعم في الدنيا ، بل نعني أن هذه النعم إن وجدت فإنها طارئة منقضية ، وأن إحساس الانسان بالراحة والاستقرار هو حالة استثنائية .