السيد محمد تقي المدرسي

18

الإمام علي (ع) قدوة وأسوة

فأمر النبي عليًّا عليه السلام أن يُهيِّئ طعامًا ويدعو بني هاشم إلى بيته . واجتمعوا إليه يقودهم أبو طالب سيدهم ووالي أمورهم . فلما طَعِمُوا ورأوا أن قصعة الثريد ، التي أكلوا منها لم ينقص منها شيء وعجبوا ، وجاء النبي يكلمهم بشأن الدعوة راح عمه أبو لهب ، يبعث كلماته الساخرة ! ! إن أبا لهب كان من ألدِّ أعداء الإسلام ، مع أنه كان من أقرب الناس رحمًا بالنبي صلى الله عليه وآله ، ولم ينزل في القرآن آية تذكر فردًا من معاصري النبي بالسوء غير ما نزل في حق أبي لهب ، وفي سورة كاملة تُبتدأ بقول شديد : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ « 1 » . وقد كان أول المستهزئين بالرسول ، ذلك النهار ، حيث قال بين فتيان بني هاشم الذين كانوا زهاء أربعين رجلًا ، قال : لشدَّما سحركم صاحبكم ، أي : ما أعجبه رجلًا قد سحركم . فتفرق القوم ولم يكلمهم الرسول صلى الله عليه وآله . فلما كان من غد استضافهم علي عليه السلام مرة أخرى فجاؤوا وأكلوا وشربوا ، وقبل أن يتكلم أبو لهب ، ابتدأهم الرسول قائلًا : « يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إِنِّي وَاللهِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا فِي الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ . إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَقَدْ أَمَرَنِيَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ ، فَأَيُّكُمْ يُؤْمِنُ بِي وَيُؤَازِرُنِي عَلَى أَمْرِي ، فَيَكُونَ أَخِي وَوَصِيِّي وَوَزِيرِي وَخَلِيفَتِي فِي أَهْلِي مِنْ بَعْدِي ؟ » . فأحجم القوم جميعًا ، إلًّا عليًّا ، وكان ذلك اليوم - كما يصف نفسه -

--> ( 1 ) سورة المسد ، الآية : 1 .