السيد محمد تقي المدرسي

29

الإمام الحسن (ع) قدوة وأسوة

فضج الناس بالبكاء والعويل ، وكأن قول ابن العباس فجَّر ينابيع الكآبة والحزن في القلوب ، ثم نادوا بأعلى أصواتهم : بل يخرج إلينا ، فخرج إليهم الإمام الحسن عليه السلام ، وحمد الله وأثنى عليه ، ثم أبَّنَ فقيد العالم الإسلامي ، وقال : لَقَدْ قُبِضَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ الْأَوَّلُونَ بِعَمَلٍ ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ الْآخِرُونَ بِعَمَلٍ . لَقَدْ كَانَ يُجَاهِدُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله فَيَقِيهِ بِنَفْسِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله يُوَجِّهُهُ بِرَايَتِهِ فَيَكْنِفُهُ جَبْرَئِيلُ عليه السلام عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عليه السلام عَنْ شِمَالِهِ ، وَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ . وَلَقَدْ تُوُفِّيَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي عُرِجَ فِيهَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَالَّتِي قُبِضَ فِيهَا يُوشَعُبْنُ نُونٍ وَصِيُّ مُوسَى ، وَمَا خَلَّفَ صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَضَلَتْ عَنْ عَطَائِهِ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا خَادِماً لِأَهْلِه . . « 1 » . ثم خنقته العبرة ، فبعث بأنفاسه زفرات يهز الصخر لها لوعةً وأسىً ، وارتفع من الناس حسرات تبعتها آهات وآهات ، ثم قال : أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وأنا ابن النبي ، وأنا ابن الوصي ، أَنَا ابْنُ الْبَشِيرِ ، أَنَا ابْنُ النَّذِيرِ ، أَنَا ابْنُ الدَّاعِي إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ ، أَنَا ابْنُ السِّرَاجِ المُنِيرِ ، أَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً ، أَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَرَضَ اللهُ مَوَدَّتَهُمْ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ تَعَالَى : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً فَالحَسَنَةُ مَوَدَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْت « 2 » . وهكذا انهالت الجماهير إلى بيعة الإمام الحسن عليه السلام ، عن رضاً وطيب نفس ، لأنهم رأوا فيه المثال الفاضل لمؤهلات الخليفة الحق ،

--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 43 ، ص 362 . ( 2 ) بحار الأنوار ، ج 43 ، ص 362 .