السيد محمد تقي المدرسي

72

فاطمة الزهرا (ع) قدوة وأسوة

« وَلَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ وَالْأَصْحَابِ وَالْأَقْرِبَاءِ وَالْأَحْبَابِ أَشَدَّ حُزْناً وَأَعْظَمَ بُكَاءً وَانْتِحَاباً ( على رسول الله ) مِنْ مَوْلَاتِي فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ عليها السلام ، وَكَانَ حُزْنُهَا يَتَجَدَّدُ وَيَزِيدُ وَبُكَاؤُهَا يَشْتَدُّ . فَجَلَسْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَا يَهْدَأُ لَهَا أَنِينٌ وَلَا يَسْكُنُ مِنْهَا الْحَنِينُ ، كُلُّ يَوْمٍ جَاءَ كَانَ بُكَاؤُهَا أَكْثَرَ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّل ، فَلَمَّا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ أَبْدَتْ مَا كَتَمَتْ مِنَ الْحُزْنِ ، فَلَمْ تُطِقْ صَبْراً إِذْ خَرَجَتْ وَصَرَخَتْ فَكَأَنَّهَا مِنْ فَمِ رَسُولِ اللهِصلى الله عليه وآله تَنْطِقُ ، فَتَبَادَرَتِ النِّسْوَانُ وَخَرَجَتِ الْوَلَائِدُ وَالْوِلْدَانُ وَضَجَّ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ ، وَجَاءَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَأُطْفِئَتِ المَصَابِيحُ لِكَيْلَا تَتَبَيَّنَ صَفَحَاتُ النِّسَاءِ ، وَخُيِّلَ إِلَى النِّسْوَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِصلى الله عليه وآله قَدْ قَامَ مِنْ قَبْرِهِ ، وَصَارَتِ النَّاسُ فِي دَهْشَةٍ وَحَيْرَةٍ لِمَا قَدْ رَهِقَهُمْ ، وَهِيَ عليها السلام تُنَادِي وَتَنْدُبُ : أَبَاهُ وَاأَبَتَاهْ وَاصَفِيَّاهْ وَامُحَمَّدَاهْ وَاأَبَا الْقَاسِمَاهْ وَارَبِيعَ الْأَرَامِلِ وَالْيَتَامَى ، مَنْ لِلْقِبْلَةِ وَالمُصَلَّى ؟ وَمَنْ لِابْنَتِكَ الْوَالِهَةِ الثَّكْلَى ؟ . ثُمَّ أَقْبَلَتْ تَعْثُرُ فِي أَذْيَالِهَا وَهِيَ لَا تُبْصِرُ شَيْئاً مِنْ عَبْرَتِهَا وَمِنْ تَوَاتُرِ دَمْعَتِهَا ، حَتَّى دَنَتْ مِنْ قَبْرِ أَبِيهَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى الْحُجْرَةِ وَقَعَ طَرْفُهَا عَلَى الْمِئْذَنَةِ فَقَصُرَتْ خُطَاهَا وَدَامَ نَحِيبُهَا وَبُكَاهَا ، إِلَى أَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهَا ، فَتَبَادَرَتِ النِّسْوَانُ إِلَيْهَا فَنَضَحْنَ المَاءَ عَلَيْهَا وَعَلَى صَدْرِهَا وَجَبِينِهَا ، حَتَّى أَفَاقَتْ ، فَلَمَّا أَفَاقَتْ مِنْ غَشْيَتِهَا قَامَتْ وَهِيَ تَقُولُ : « رُفِعَتْ قُوَّتِي وَخَانَنِي جِلْدِي وَشَمَتَ بِي عَدُوِّي وَالْكَمَدُ قَاتِلِي يَا أَبَتَاهْ ، بَقِيتُ وَالِهَةً وَحِيدَةً وَحَيْرَانَةً فَرِيدَةً ، فَقَدِ انْخَمَدَ صَوْتِي وَانْقَطَعَ ظَهْرِي وَتَنَغَّصَ عَيْشِي وَتَكَدَّرَ دَهْرِي ، فَمَا أَجِدُ يَا أَبَتَاهْ بَعْدَكَ أَنِيساً لِوَحْشَتِي وَلَا رَادًّا لِدَمْعَتِي وَلَا مُعِيناً لِضَعْفِي ، فَقَدْ فَنِيَ بَعْدَكَ مُحْكَمُ