السيد محمد تقي المدرسي
56
فاطمة الزهرا (ع) قدوة وأسوة
يؤثر فيه ، يوماً بعد يوم ، وكل يوم كان يقضيه الرسول كان خطوة إلى الموت . وفاطمة عليها السلام تعرف أباها أفضلَ ما تكون المعرفة . تعرف فضله ومجده ، وتعرف خدماته في سبيل الله والإنسانية . وهي تحبه ، لأنه والدها ، وكان أحب الناس إلى الله جميعاً ، والله أحبُّ إلى فاطمة من كل شيء . فهي تُحبُّ أباها ، لأنه أقرب إليها ، ولأنه رسول الله الذي يجب أن تُكِنَّ له الحب والاحترام . وأما الآن فهي ترى والدها يجود بنفسه ، فلم تستطع أن تصبر على هذا المنظر الكئيب ، فخرجت ، وأُخرج كل من كان في الغرفة ، إلَّا عليًّا عليه السلام ، الذي كان يراقب أحوال الرسول صلى الله عليه وآله . ذهبت فاطمة إلى بيتها ، وقبل أن يستقر بها المجلس ، إذا بها تسمع الصياح قد ارتفع من حجرة الرسول ، وكانت قريبة إلى بيت فاطمة عليها السلام ، فأسرعت إليها مدهوشة ، وإذا بها تُنَبَّأ بوفاة والدها . كان لموت الرسول صلى الله عليه وآله أثر عميق وبليغ في فؤاد فاطمة عليها السلام حتى أنها ما رؤيت مبتسمةً بعده قط ، إلَّا حين نَعَى إليها نفسَها ، حيث علمت باقتراب أجلها وحلول ميعاد الالتحاق بأبيها . فمازالت فاطمة بعد أبيها معصبة الرأس ، ناحلة الجسم ، مُنْهَدَّة الركن ، يُغشى عليها ساعةً بعد ساعة . وبلغ بها البكاء على أبيها أنَّ أهل المدينة شكوا إلى أمير المؤمنين أمرها واقترحوا عليها أن تبكي إما ليلًا أو نهاراً . بيد أنها لما سمعت بذلك اشتد بكاؤها وأبت إلَّا أن تبكي على والدها أبداً ، حتى تلتحق