السيد محمد تقي المدرسي
29
فاطمة الزهرا (ع) قدوة وأسوة
ولقد شاهدت فاطمة عليها السلام - بعدما أُفرج عن المسلمين من حصار شِعب أبي طالب - أباها ذات مرة ، وقد ألقت قريش سَلَا الجزور على رأسه ، وهو ساجد يُصلي لربّه ، فجاءت وطرحت السَّلَا عن رأس والدها ، وقد أخذ منها الحزن والتأثر ، مأخذاً بليغاً . ولقد شاهدت أباها أيضاً وهو مهاجر إلى الطائف ، مُبلِّغ في أهلها دعوة الله ، ولم يستجب له أحد . كما شاهدت ذلك اليوم الذي كانت أمُّها خديجة عليها السلام تضطرب على فراش الموت وتلفظ أنفاسها الأخيرة ، وهي لا تملك من مال الدنيا شيئاً ، بعدما كانت تجارتها تملأ سهول الحجاز وبطاحها ، حتى إذا استجابت دعوة ربها ، لم تملك حتى ما تُكفَّن به . نعم لقد لاحظت فداءَ أمِّها خديجة للدِّين ، وتفانيها في سبيله ، ودفاعها عنه بكل ما كان لديها من القوة والإمكانات ، فتأثرت بذلك ، وطُبعت في نفسها معانٍ حيّة ، بقيت في ضميرها تبعث الحيوية والنشاط في سبيل الدين . فكانت كآبة وفاةِ أمِّها ، تمتزج في قلبها ببطولات خديجة ، لا لكونها أمًّا لها فقط ، بل بوصفها أمًّا للمؤمنين والمؤمنات أيضاً ، بوصفها مدافعةً عن الحق ، ومضحيةً في سبيله بكل شيء . ولقد كانت فاطمة عليها السلام تعيش في السنين الأولى من حياتها ، التجارب التي قلَّما اتفقت لأحد أن يعيشها في التاريخ . إنها سايرت الدعوة ، في معركتها العنيفة ، وهي في قلب المعركة ؛ لأنها كانت ، بنت قائد المعركة ، وهو النبي صلى الله عليه وآله ، فلذلك كانت تدور أينما دارت المعركة وتعيش وفق ما عاشت . لم يذكر التاريخ عن حوادث تتعلق مباشرة بفاطمة عليها السلام أثناء وجودها في مكة ، إلَّا أننا واثقون من أن حياتها فيها لم تكن خالية عن الأذى . ولقد بغلت الصَّلافة بقريش الكافرة مبلغاً يدل على أنهم كانوا يتعرضون لأذى أهل النبي صلى الله عليه وآله كتعرضهم لأذى النبي صلى الله عليه وآله نفسه