السيد محمد تقي المدرسي

96

البيان الاسلامي (أحاديث في العقيدة)

ولولا أنّ الله تعالى هو الذي ذكرّنا بنفسه ، وهو الذي هدانا إليه ، لما كان بمقدور أحد التعرف إلى ربّه ، ولكان العمى والجهل مطبقين على الجميع ، بما للكلمة من معنى . ومن هنا ؛ كانت الآيات القرآنية وأحاديث النبي وأهل بيته عليه وعليهم السلام المباركة وأدعيتهم المأثورة كلها تنطق نطقاً نورانياً للتدليل على هذا المعنى الجليل ؛ ومن جملة ذلك ما جاء في مناجاة أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة من ولده عليهم السلام في شهر شعبان ، حيث نقرأ فيها هذه الفقرة المباركة : ( إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك ، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك ، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك . . . ) « 1 » فالقلوب مظلمة بطبيعتها ، ولن تشرق أو تهتدي إلى شيء من الأشياء ما لم يشرق عليها نور الله وهدايته ورحمته . ولعل مشكلة الإنسان الكبرى هي أنّه يتصور لخالقه شكلًا وصورة وقدرة تتوافق وما يمليه عليه خياله القاصر . في حين أننا إذا تيقّنا من عجز وسائل العلم - مهما تطورت - عن إدراك ماهيّة الخالق ، فإن من الأولى بنا التسليم بعجز الوهم والخيال عن تصوّر حقيقة الخالق ، وذلك لأن للإنسان حدود لا يمكنه خرقها ، ولأنّ ثمة فاصلة منطقية تفصل بين المخلوق وخالقه ؛ الفاصلة التي وضعها الله في طبيعة تكوين الإنسان ، ولولا هذه الفاصلة لكان الوجود عبثاً . وعلى هذا الأساس ؛ كان أعظم الأذكار ومحورها التسبيح ، لأنّ التسبيح تنزيه وتقديس لله عن أن يكون له شبيه أو ندّ أو نظير . فالخالق الشبيه بالمخلوق نحن في غنى عنه ؛ ولأنّ المخلوق كائن ضعيف ، فهو بحاجة إلى خالق قوي ؛ ولأن المخلوق

--> ( 1 ) - إقبال الأعمال ، السيد ابن طاووس ، ج 3 ، ص 299 .