السيد محمد تقي المدرسي
56
البيان الاسلامي (أحاديث في العقيدة)
وإبراز مشاهد من المستقبل حتى تهتم النفس بها . ولعل منهج القرآن في تصوير مشاهد البعث والجزاء باستثارة قوة الظن والخيال يتم لهذه الغاية . فهو ليس مجرد أسلوب في البيان ، بل هو منهج علمي لاصلاح النفس وإيجاد التوازن بين قوة الشهود وحقائق الغيب ، وإنما المؤمنون هم الذين يستشرفون المستقبل ، وينظرون إلى الغيب بقوة الظن ، ويستثيرون كوامن الخوف والرجاء بالتذكرة الذاتية . والسياق القرآني في سورة يس يصور لنا جانباً من مشاهد الهلاك ثم النشور والجنة والنار . قال الله تعالى : مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ( يس ، 49 ) . إنهم يستعجلون العذاب ، ويقولون : متى هذا الوعد ؟ بلى ؛ ولكنهم ينتظرون بذلك أمراً عظيماً ، إذا جاء لا يمكن رده أو تأجيله ، فإنما هو صيحة واحدة لا ثانية لها ، لأنها القاضية ، وهي تعمهم بالأخذ بغتة في وقت تراهم يخوضون في جدلياتهم التي لا تغني شيئاً . ثم يقول ربنا عز وجل : فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ( يس ، 50 ) . وهذه المباغتة سريعة إلى درجة أنها تمنعهم من أن يخلفوا وصيّتهم ، بالرغم من أنهم لا يعودون إلى أهلهم ، فهم أحوج ما يكونون إلى التوصية . بعد ذلك يقول ربنا سبحانه : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ( 51 ) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( يس ، 51 - 52 ) . ويمكث الناس في قبورهم ما شاء الله ، حتى ينفخ في الصور الملك الكريم إسرافيل ؛ وبمجرد النفخ تراهم يسرعون إلى ربهم ، حيث وضع الميزان العادل . وهنالك يعترف هذا