السيد محمد تقي المدرسي

57

محمد المصطفى (ص) قدوة وأسوة

ومن أهلها شر أهل الأرض وأسوئهم خُلقاً ومبدأً وعادات ، كوَّن منهم قادة العالم وسادته على طول الخط ، كما سبق تفصيل بعض أحداثه آنفاً . أفلا يدلّ هذا على حسن التدبير ، وسعة التفكير ، وجميل السيرة والاكتمال في السمو النفسي والعقلي . أما إذا تكلَّمنا عن رحابة الصدر وسعة النفس في مجال التدبير للشؤون الخاصة والعامة - إلى سائر مظاهر السمو النفسي والخلقي - فإنا يجب أن نعترف بالعجز عن التعبير الكامل عن كل جوانب التفوق والتسامي في الأخلاق بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله ، الذي جعله الله خاتم النبيين الذين كانوا قادة النّاس وسادتهم في كِلَا الحقلَين المادي والروحي . ولقد احتج الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعجز الإنسان عن التعبير الكامل عن أخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله ، احتج لذلك احتجاجاً لطيفاً بأن الله يقول في كتابه : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) « 1 » ، في حين يقول في آية أخرى : ( فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ) « 2 » ، فالحياة الدنيا مع أنها قليلة عند الله ، فإنها لا يمكن الإحاطة بها ، وإحصاء ما فيها . . فكيف بأخلاق النبي صلى الله عليه وآله الذي يقول فيه الله تعالى : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) « 3 » ، حيث عبّر عنه بالعظيم . فإذا لم يكن إحصاء القليل ممكناً فكيف يمكن إحصاء العظيم . ومع كل ذلك فإني أسرد لك شيئاً من مظاهر الْخُلُق العظيم ،

--> ( 1 ) سورة إبراهيم ، آية : 34 . ( 2 ) سورة التوبة ، آية : 38 . ( 3 ) سورة القلم ، آية : 4 .