السيد محمد تقي المدرسي

28

محمد المصطفى (ص) قدوة وأسوة

حتى جاء إلى مكة تحت حمايته . وعرف النبي صلى الله عليه وآله أخيراً أن أهل مكة لا يمكن أن يكونوا الحاملين للرسالة الإسلامية المقدسة إلى الآفاق ، لأنَّ دعوته الملحَّة المستمرة التي ظلت فيها زهاء عشر سنوات لم تُجْدِهِ نفعاً أبداً ، ولم تُنتج غير إصرارٍ من الكفار وعنادٍ بالغين . فصمَّم على نشر الدعوة بين سائر القبائل العربية الأخرى ، فإذا استطاع أن يهدي قبيلة واحدة ذهب إليها وظلّ ينشر نور الإسلام من خلال أفرادها . فأخذ يدعو الناس في المواسم التي كانت العرب تتدفق فيها على مكة لغرض العبادة أو التجارة ، فيذهب إلى القبيلة ويقول لها : « يا بَني فلان : إني رسول الله إليكم ، وأنا آمُركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وإن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى أبيِّن عن الله ما بعثني به » . وكانت قريش ترسل وراءه من يعقّب على كلامه بتحذير العرب من طاعته ، وتهجّن دعواه ، وكان عمّه أبو لهب يتولى هذه المهمّة في أغلب الأحوال . أما القبائل العربية فكانت تتعصّب لآلهتها المزعومة ، وتُؤْثِرُ البقاء على تقليد الآباء . كما كانت تَحْذَرُ من قريش ؛ إذ لو كانت تُسلم لكانت تتعرض لحرب قريش قطعاً ، فكانت تردّ النبي ولا تقبل دعواه ، وتردُّه إما ردًّا جميلًا أو قبيحاً . إلَّا أن قبيلة واحدة استجابت إلى دعوة النبي صلى الله عليه وآله ، تلك كانت القبيلة العربية الساكنة في يثرب ، والتي كانت منقسمة إلى طائفتين : الأوس والخزرج ، وكانت الحرب بينهما قائمة على أشدها ، وكانوا قد ملُّوها .