السيد محمد تقي المدرسي
343
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
بذلتها الأجيال الماضية ) « 1 » . وقد رأينا - سابقا - كيف ان التحليل المفرط أوقع بعض الباحثين في أخطاء . ومن المعلوم أن هذا النوع من التحليل ، كان آتيا من الاعتماد الكلي على التجربة ، بعيدا عن القياس . والماديون الذين أنكروا العقل ، حرموا أنفسهم من الإيمان بحقائق كثيرة ، أهمها بالطبع : الإيمان بخالق الكون ، وبرسله وكتبه ، وتعاليمه ، والشكاكون بأنواعهم سدوا عن أنفسهم أبوابا مشرعة من المعرفة . وهكذا يجب على الباحث ألا يتعصب لمنهج معين ، فتنتقم منه سائر المناهج بحرمانه من معارفها ، وقد جاء في حديث كريم عن الإمام الصادق عليه السلام : ( أبى الله ان يجري الأشياء إلا بالأسباب فجعل لكل شيء سببا ، وجعل لكل سبب شرحا ، وجعل لكل شرح مفتاحا ، وجعل لكل مفتاح علما ، وجعل لكل علم بابا ناطقا ) « 2 » . هذا الحديث يذكرنا بأن اختلاف سنن الحياة ينعكس حتما على ، طبيعة دراستها ، فيسبب اختلاف المناهج المؤدية إليها . ولا يقتصر خطأ الباحث في الإيمان أو عدم الإيمان رأسا بمنهج معين بل وأيضا بمقدار استخدامه لهذا المنهج أو ذاك . . فمن الباحثين من أولع بالقياس وأكثر استخدامه ، وبالرغم من إيمانه بمنهج الاستقراء ، لا يوليه الاهتمام ، لرغبته النفسية في القياس . ومن الباحثين من يحب الاستقراء ، ويفضله عمليا على القياس . ومنهم من يناصر المنطق الوضعي ، أو الديالكتيكي ، أو الديكارتي ، أو الأرسطي ، أو الوسيلي ، بينما الصحيح هو المناصرة للعلم فقط ، واستخدام كل هذه المناهج ، في سبيل الوصول إلى العلم . وداخل كل منطق ، يجب أيضا عدم التمييز بين مناهجه حتى يقدر الفرد على الاستفادة الكلية من العلم .
--> ( 1 ) - المنطق ومناهج البحث ، ص 58 . ( 2 ) - بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 168 .