السيد محمد تقي المدرسي
339
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
مجتمع واحد ، ولم تدرك سوى المصلحة الشخصية تسيّر الأمور الاقتصادية ، والقسر يسيّر الشؤون السياسية ، لكي يتماسك أفراد الناس في جماعة واحدة . وإنا لنرى في المجال الاجتماعي ، بوضوح : كيف أن المذهب التجريبي المقتصر على جانب واحد من الحقيقة ، يستثير قيام مذهب عقلي ، يقتصر هو الآخر على جانب واحد من الحقيقة ، ويزوده بحججه الرئيسية ، ذلك أن رد الفعل المنطقي للفردية الذرية ، هو قيام نظريات عضوية في الدولة ، تطوي العلاقات الرئيسية الإنسانية كافة ، تحت محور السياسة ، ولقد هيأت هذه الفلسفة أساسا يقوم عليه ، إحياء السلطة المستبدة ، وخلقت الأسس النظرية ، التي تستند إليها ، الدول المستبدة الحديثة ، على أن اشتباك النظريات الديمقراطية في الدولة ، كما قد عرفت تلك النظريات في التاريخ بالذرية الفردية القديمة - قد كانت من جهة أخرى مصدرا رئيسيا - لما أخذ يتزايد من ضعف المجتمعات الحرة ، قومية كانت تلك المجتمعات ، أو محلية ) « 1 » . هذا مثل واحد لنتيجة الحكم الجزئي الموغل في التحليل ، في علم الاجتماع ، ولا ريب ان الحكم المقابل له ، الموغل في التركيب ، كان رد فعل لهذا الحكم ، وهو الذي أنتج خطأ كبيرا آخر هو الحكم الجماعي الديكتاتوري . يبقى ان نعرف نتيجة هذا التحليل المفرط في سائر العلوم ، يقول عن ذلك الكسيس كاريل - وهو يعرض المشكلة من جانب آخر - إن الافراط في تخصص الأطباء ، يسبب ضررا أكثر ، ذلك لأن الطب قد قسم الإنسان المريض إلى أجزاء صغيرة ، لكل جزء منها ، أخصائي فحينما يبدأ أحد الأطباء حياته العلمية بالتخصص في دراسة عضو صغير في الجسم ، فإن معلوماته عن بقية أجزاء الجسم ، تصبح أولية ، حتى يصبح عاجزا عن فهم هذه الأجزاء ، بما فيها العضو الذي تخصص فيه ، وهذا ما يحدث أيضا بالنسبة إلى المعلمين ، ورجال الدين ، والاقتصاديين ، وعلماء الاجتماع الذين لم يحملوا أنفسهم مشقة توسيع دائرة
--> ( 1 ) - المنطق نظرية البحث ، ص 784 - 785 .