السيد محمد تقي المدرسي
319
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
الأحيان ، لماذا ؟ لأنهم لم يكونوا يلاحظون ولا يجربون سوى الظواهر ، التي تتحول بهم باتجاه إثبات مذاهبهم ، وبالتالي أنهم حوروا مناهج البحث فأدى بهم البحث إلى نتائج خاطئة انتقاما منهم وجزاءا وفاقا لتحويرهم إياها ! 2 - والسبب الذي يدعو الإنسان إلى تحوير المناهج ، هو اختيار نظرية معينة قبل البحث ، أو استهداف دعمها ، لعوامل نفسية أو اجتماعية أو طبيعية ، أو حتى لمجرد التخلص من قلق الجهل والتردد ، بل قد يكون وضع الفروض التي هي ضرورة بالغة للبحث يقد يكون وضعها ، سببا من أسباب تحوير المنهج ، ولهذا فقد حذر كثير من العلماء من مغبة الإفراط في وضع الفروض ، أو المغالاة في التقيد بها . وقال أحدهم : ( إن المجرب يوجه أسئلته إلى الطبيعة ، ولكن بمجرد أن تتكلم الطبيعة ، يجب عليه ان يلزم الصمت وأن يلاحظ ما تجيب به ، وأن يسمعها حتى النهاية ، وان يخضع في جميع الحالات لما تمليه عليه ) يقولون : ( إنه يجب على المجرب أن يقهر الطبيعة حتى تكشف له عن أسرارها ) ولا ريب في ذلك لكن يجب عليه ان لا يجيب مطلقا بدلا منها ، أو يسمع أجوبتها سماعا ناقصا ، بألا يأخذ من التجربة سوى النتائج التي تثبت صدق فرضه ، أو تكون مناسبة له فالمجرب الذي يصر على فكرته السابقة ولا يلاحظ نتائج التجرب إلا من وجهة نظره الخاصة يتردى في الخطأ لأنه يهمل ضرورة ملاحظة الأشياء التي لم يتوقعها ، ويقوم حينئذ بملاحظة نقاصة ، فيجب عليه ألا يحرص على أفكاره السابقة الا على اعتبار أنها وسيلة يتطلب بها جوابا من الطبيعة ، ويجب عليه أن يخضع فكرته للطبيعة ، وأن يكون على استعداد لتركها أو تعديلها أو تغييرها ، تبعا لما ترشده إليه ملاحظة الظاهرة التي أثارها « 1 » .
--> ( 1 ) - كلود برنارد ، مقدمة لدراسة الطب التجريبي ، القسم الأول ، الفصل الأول ، الفقرة السادسة ، عن د . قاسم ، المنطق الحديث ومناهج البحث ، ص 113 .