السيد محمد تقي المدرسي

163

المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)

العقل به ؟ ان الإنسان ليذهب بعيدا في متاهات الضلال لو بحث عن شيء فوق العقل ، ليفهم العقل به ، إذ لا وجود لهذا الشيء ، وفي حالة وجوده ، يحتاج الإنسان إلى شيء آخر ، فوقه أيضا ليعرفه به ، فهل يعقل هذا ؟ ثم هل من المعقول ان يكشف العقل لنا حقائق الأشياء ، ثم لا يكشف عن ذاته ؟ أوليس هذا يشبه القول بأن الشمس تضيء الدنيا ، ولكنها غير مضاءة ؟ إذا فكيف تعطي الضوء وهي لا تملكه ؟ وان قلنا ، كل شيء في العالم معروف بنور العقل ولكن العقل لا نور له ، وإذا فهو غير معروف . أليس هذا تناقضا ؟ ان أولئك الذين حاولوا التعرف على العقل بغير ذاته ضلوا عنه . إذ لم يجدوا فيما وراء شمس العقول ، الا الظلام والضلال . بل إن مجرد محاولة التدليل على العقل نوع من التضليل الذاتي ، اللهم إلا إذا حاولنا معرفة العقل ، من خلال أنواره التي تسقط على الأشياء ، فتضيئها ، وتكشفها لنا ، بالضبط كما نتعرف على الشمس من خلال النور المنبعث منها في الفضاء . وهذه المعرفة هي بدورها مرتبطة بالعقل ، فمن لا عقل له لا يفهم من الحقيقة شيئا ، ويكون أشبه شيء برجل يريد ان يبصر عينه ، ليؤمن بوجودها ، فيأخذ مرآة ، وينظر من خلالها إلى عينه ، فهل يعني هذا أنه رأى عينه بغير عينه ؟ مثلا ، رأى عينه بأنف أو بفم ؟ ! كلا إنما رآها بعينه ذاتها ولكن من خلال المرآة . ولو افترضنا أن الرجل أغمض عينيه ليبصرهما بعضو آخر فيه ، أفلا تكون النتيجة أنه يبقى يفتش عن عينه إلى الا بد ؟ كذلك الذي يحاول - مستحيلا - ان يجد عقله بغير عقله ، ويفتكر أنه يستغني عن عقله في رؤيته له . والعلم ليس سوى جانب الكشف في العقل ، فالعقل يضيء الأشياء ، والأشياء تضاء به و ( لحظة الإضاءة ) تسمى علم « 1 » .

--> ( 1 ) - يخوننا التعبير حين نريد أن نوضح علاقة العقل بالعلم ، وقد استخدمنا كلمة اللحظة لبيان هذه العلاقة وهي مشتقة من مفهوم الملاحظة . أي أننا نلاحظ هذا الجانب من جوانب عديدة من الشيء الواحد وتستخدم هذه الكلمة فيما إذا كان للشيء الواحد جوانب مختلفة وبملاحظة كل جانب يختلف التعبير عنه فمثلا : الرجل الواحد ابن وأخ وزوج وأب وجد ، وهو رجل واحد . ولكن هذه الألفاظ تعبر عن جوانب عديدة عنه . كذلك العقل هو نور واحد ولكن لفظ العلم يعبر عن جانب واحد من عدة جوانبه وهو جانب الكشف . والتعابير المستخدمة مكان ( لحظة ) هي ( لحاظ ) و ( حيث ) و ( من ) الدالة على البعضية . والكلمة الأخيرة هي التي جاءت في الحديث عن الرسول ( ص ) حيث قال ( ص ) : ومن العقل العلم . بينما تكثر كلمة لحاظ وحيث ، في تعابير الفلاسفة حيث يقولون مثلا : العقل علم بالحاظ الكشف ، أو العلم حيث الكشف من العقل ، أو ( حيث الكشف في الإنسان هو : علم ) .