السيد محمد تقي المدرسي
132
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
( عنده ) منطق جدلي ، ينمي قوة الجدل ، ولا يكشف عن شيء ، كما أن القياس الأرسطي ، إنما يفسر لنا ما نعلم ، دون أن يكشف ما نجهل . ثم إن كونت انتقد أيضا الاتجاه التجريبي الخالص ، كما يتمثل عند بيكون ، وحاول أن يصطنع لنفسه منطقا وضعيا ( تستند إليه فلسفته الوضعية ) من جهة ، ويعبر عن نظريته السوسيولوجية العلمية من جهة أخرى ، ولكن كيف فعل ذلك ؟ كونت حين أثار مسألة المنهج في المنطق ، وفي علم الاجتمع ، إنما حاول أن يشرع لمناهج الفكر قانونا عاما ، يفسر تقدم الذكاء الإنساني ، ويعبر عن ( تطور أشكال الفلسفات والمناهج المتتابعة خلال التاريخ ) وكان هذا القانون يتلخص عنده بقانون الحالات الثلاث ، الذي اعتبره القانون المطلق لتطور الفكر والمنهج ، وهو القانون العام الذي يكشف عن الرابطة الأصيلة بين المنطق وعلم الاجتماع . فذهب كونت إلى أن منطق الإنسان ( بمعنى فكره أو عقله ) انما يتدرج مع تدرج المجتمع ، وتطوره من حالة ( غيبية أولية ) إلى حالة ( ميتافيزيقية ) انتقالية ، ومن ثم يصل العقل الإنساني ، في النهاية إلى مرحلة ( الروح الوضعية ) . إذا فللإنسان ثلاث حالات ، ولمنطقه أيضا ثلاث حالات : حالة الغيب المطلق ، حالة الغيب المحدد ، وحالة العلم . ولما كان الأمر كذلك ، فإن كونت أرّخ للمنطق الإنساني ، وجعل منه تاريخا للفكر الاجتماعي ، وخلق للتاريخ منطقا محتوما يسير في حلقات ، ويمر بأطوار وأحقاب ويسميها في أغلب الأحيان ( فلسفات ) . وتخضع هذه الحالات ، أو الفلسفات ، لقانون ديناميكي تطوري ، هو قانون الحالات الثلاث الآنفة الذكر ، الذي هو في نفس الوقت ، قانون التقدم ، الذي يرى أن ظهور الفلسفات في أنفسها ما هي الا ( مراحل اجتماعية ) تحتمها