السيد محمد تقي المدرسي
125
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
ويفترق هذا الجانب عن ذاك في أمرين : 1 - إن صنع الظاهرة ، يخضع لشروط الباحث نفسه ، ويستطيع بذلك إبعاد كافة الملابسات التي قد تشوش الرؤية ، وتعوق دون فهم حقيقة الظاهرة ، والعوامل الأساسية المؤثرة في ظهورها . بينما ملاحظة ظاهرة طبيعية لا تخضع لشروط الباحث ، وتتداخل فيها عوامل عديدة ، يصعب تمييز العامل الحاسم من بينها . 2 - إن التجربة النظرية ، هي حصيلة العلوم النظرية التي لا تحتاج إلى جهد إضافي ، بينما التجربة العملية ، هي من نوع القيام بعمل تغيير في الحياة ، ويحتاج إلى جهد ، والى ايجاد شروط صعبة في الحياة ، ولذلك استطاع العلماء - اليونان - اكتشاف أهمية المنهج التجريبي ، نظريا ، بينما لم يقدروا على إجراء أبسط التجارب العملية ، التي لو أنهم جربوها لكانوا اكتشفوا حقائق كثيرة . فمثلا : الفكرة القائلة أن الشمس والأرض والكواكب ، تتحرك حولنا لم تكن مجهولة لليونانيين ، فقد اقترح أرسطوفوس الساموسي ( Aristarchus of Samos ) بصواب فكرة النظام المتمركز حول الشمس ، في حوالي عام 200 ق . م ، ولكنه لم يتمكن من اقناع معاصريه بصواب رأيه ، ولم يكن في استطاعة الفلكيين اليونانيين أن يأخذوا برأي أرسطوفس لأن علم الميكانيكا ، كان في ذلك الحين في حالة تأخر ، مثال ذلك ان بطليموس اعترض على أرسطوفوس بالقول : أن الأرض ، ينبغي أن تكون ساكنة ، لأنها لو لم تكن كذلك ، لما سقط الحجر ، الذي يقع على الأرض ، في خط رأسي ، ولظلت الطيور في الهواء ، متخلفة عن الأرض المتحركة ، وهبطت إلى جزء مختلف من سطح الأرض ، ولم تجر تجرية إثبات خطأ حجة بطليموس ، الا في القرن السابع عشر ، عندما أجرى الأب جاسندي ( Gassendi ) ، وهو عالم وفيلسوف فرنسي كان معاصرا لديكارت وخصما له ، أجرى تجربة على سفينة متحركة ، فأسقط حجرا من قمة الصاري