السيد محمد تقي المدرسي
124
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
البصريات ، إلا أن أفول نجم المسلمين ، رافقه ضعف في حركة التجربة ، وانعطاف جدي إلى المناهج العقلية . وفي الغرب شهدت الفترة هذه جمودا حضاريا ، انعكس ، بالطبع ، على المدرسة التجريبية ، حيث كانت الفلسفة في القرون الوسطى ( اسم يطلق على هذه الفترة بالذات ) من اختصاص رجال اللاهوت ، الذين حصروا أنفسهم على المنهج المدرسي ، وأضفوا عليه طابعا دينيا وأبعدوا المنهج التجريبي بالطبع عن واقع الحياة . وفي بقعة الظلام المحيطة بالعصور الوسطى ، ظهر بصيص نور متمثلا في فلاسفة من أمثال : روجر بيكون ، الذي كان من الذين نقلوا روح التجربة العلمية ، من بلاد المسلمين إلى الغرب « 1 » ، وبيتر أوريولي ووليم الأوكامي و . . . وبظهور العلم الحديث ، في حوالي عام 1600 ، بدأ المذهب التجريبي يتخذ شكل نظرية فلسفية إيجابية ، قائمة على أسس متينة ، يمكن أن تدخل في منافسة ناجحة مع المذهب العقلي « 2 » . وقد سبق أن تحدثنا بإسهاب عن مذاهب فرانسيس بيكن ( 1626 1650 ) وجون لوك ( 1704 1632 ) ، وآخرين من الذين أسهموا في بناء المنهج التجريبي الحديث . ان ذلك كان جانبا واحدا فقط من جوانب المنهج التجريبي . وهو الجانب النظري منه فقط ، وهناك جانب آخر للمنهج التجريبي ، هو الجانب العملي منه ، وهو ذلك الجانب الذي يعتمد على ( صنع ظاهرة ) ، من ظواهر الحياة ثم ملاحظتها ، ودراسة أسبابها وميزاتها وطرق التحكم فيها .
--> ( 1 ) - راجع الفصل المتقدم . ( 2 ) - نشأة الفلسفة العلمية ، ص 78 .