السيد محمد تقي المدرسي
118
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)
في المقدمة ، وانما وضحها الاستنباط . فكما أن الماء لا بد أن يكون موجودا في البئر قبل ان نستنبطه ( أي نخرجه ) ، كذلك المعرفة ( بالنتيجة ) ليست سوى صورة أخرى لمعرفتنا بالمقدمة لا غيرها ولا أكبر منها . ويفترق الاستنباط في هذه الناحية عن الاستقراء فإنه لا يعطينا - عادة - معرفة جديدة لم تكن لنا قبلا . فمثلا القضية التالية : هذه النار حارة ومحرقة ، تلك النار حارة ومحرقة ، النار التي كانت أمس كانت أيضا حارة ومحرقة ، إذا كل نار حارة ومحرقة . إن هذه الصورة الاستدلالية تفترق عن الصورة الأولى في أنها إنطوت على زيادة في المعارف ، هي التي قالت لنا ان كل نار حارة ومحرقة . لذلك نستطيع في الطريقة الاستقرائية التنبؤ بالمستقبل بالقول مثلا في القضية السابقة : إذا النار التي سوف توجد في المستقبل حارة ومحرقة ، دون ان نستطيع مثل ذلك في الطريقة الاستنباطية . وحتى في القياسات المستخدمة في الرياضيات ، ليست النتيجة أعم من المقدمة حسبما زعم بعض الناقدين ، وقال : ان الرياضة - وهي تفكير قياسي استنباطي بمعنى الكلمة - تنتقل من الحالات الخاصة إلى حالات أشد منها عموما . ذلك لأن قياس الرياضيات نابع من طبيعتها ، والتي هي لا تعدو أن تكون طبيعة مجردة وكلية . فمثلا هذا المثلث حاد الزوايا وهي تساوي كذا . فكل مثلث حاد الزوايا كذا . . . حتى هذا المثل الذي يبدو انتقالا من الجزئي إلى الكلي ، ليس سوى انتقال من الكلي إلى مثله ، إذ قولنا في البداية هذا المثلث ليس جزئيا ما دام في الرياضيات ، لأن المراد من هذا ليس طبيعة المثلث ، وما فيه من مواد كيماوية ، بل المراد منه مجرد شكله والشكل عام لا خاص . وقد لخص ( كلود برناد ) فكرته عن العلاقة بين القياس والاستقراء ، في أن