السيد محمد تقي المدرسي
98
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
وهل كانت نظريات هؤلاء الفلسفية متأثرة بفلاسفة الشرق الأدنى مثل البابليين والفرس القدماء والفرس القدماء ؟ « 1 » يبدو أن انبثاق نظرية فلسفيةٍ من وسط ثقافي ، وعبر مرحلة معينة من مراحل نمو الفكر البشري قد يأتي متزامناً مع انبثاق نظرية مشابهة نبتت في ظروف مؤاتية لها ، ومتشابهة مع الوسط الثقافي والمرحلة الفكرية للفلسفة السابقة . من هنا ؛ فليس من الصحيح التفتيش عن جذر فارسي لفلسفة يونانية ، أو جذر يوناني لفلسفة فارسية ؛ حتى ولو كانتا متشابهتين ، بالرغم من أن ذلك لا يعني إلغاء دور التواصل الثقافي بين الأمم ، بل نقصد بذلك عدم التضحية دائماً بمبدأ الأصالة والاستقلالية في الفلسفة لمصلحة التواصل والاقتباس ، أو التفاعل بين مختلف المدارس الفكرية . وبالنسبة إلى فلسفة الإشراق ؛ فهي - في نظري - طريقة في التفكير تعتمد الوجدان والفطرة ، وهي تبرز - فيما يبدو لي - مرتين : الأولى : عندما تكون الثقافة في عهد الطفولة ، حيث لم تجر لها عملية الفرز بينها وبين الأسطورة وبينها وبين الدين ، وبينها وبين فطرة الناس ووجدانهم ، هنالك يتناسب المنهج الإشراقي القائم على أساس الكشف المباشر ، والذوق يتناسب مع إيمان الناس بالأساطير أو بالدين أو بثقافات فطرية « 2 » . لذلك ؛ فإن قدماء اليونان والفرس والهنود اتجهوا إلى نوع بدائي من الفلسفة الإشراقية دون أن يكون هنالك أي سبب يدعونا لربط هذه الفلسفة إلى شرق الأرض فقط ، أي إلى الفرس والهنود .
--> ( 1 ) ( ) راجع المقدمة . ( 2 ) ( ) أفرق بين ثلاث مفردات ، الأسطورة التي هي التعبير الرمزي عن الحقائق ، والدين الذي هو الوحي المباشر ، والثقافة الفطرية التي تقدم مجموعة بسيطة من الحقائق الواضحة ، قائمة على أساس اكتشافات عقل البشر .