السيد محمد تقي المدرسي
96
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
وقد حاولت المناهج البشرية منذ فيثاغورس وحتى سقراط وأفلاطون ، ومن أرسطو حتى أمونيوس وأفلوطين ، ومن الفارابي وابن سينا حتى ابن رشد ، ومن بيكون إلى هيجل . أقول : حاولت المناهج البشرية ذات البعد الواحد أن تستنبط من معدن واحد ضمن عشرات المعادن الثمينة التي انطوت عليها النفس البشرية ، وكان - من نتائج ذلك - التطرف نحو منهج منطقي وضد منهج آخر مثلًا : مثالية أفلاطون ضد قياس أرسطو ، ومثالية هيجل ضد تجريبية بيكون « 1 » . وجرت هنالك محاولات بدائية لتجميع أكثر من منهج واحد في المنطق ، والتوغل في أكثر من أفق من آفاق النفس البشرية الواسعة . وجاءت فلسفة الإشراق واحدة من هذه المحاولات ، حيث سعت نحو الجمع بين منهج الذوق ومنهج النظر ، أو بتعبير آخر منهج التأمل الوجداني ومنهج المحاكمة العقلية ، وبتعبير آخر بين الاتجاه العقلي الخالص عند الديكارتيين في الفلسفة الأوروبية الحديثة وبين التجربة الفجة عند بيكون . فالسهروردي يحاول الإصلاح بين المنهج العقلي الخالص عند علماء الكلام وبالذات المعتزلة منهم ، وبين الذوق الصوفي المجرد عند طرق الصوفية لكي يتعانق القلب الصوفي والعقل الكلامي ، القلب الذي يدعي الكشف والشهود ومعرفة أبعد الحقائق بالتأمل الذاتي والذوق الروحي ، والعقل الذي يزعم قدرته على حل الألغاز بالتفكر المنهجي والتجربة الواقعية . يقول د . حسن حنفي : ( أتى السهروردي بعد أن تم الفصم المنهجي في الحضارة الإسلامية بين منهج النظر عند المتكلمين والفلاسفة ، ومنهج الذوق عند الصوفية ، فالأول منهج عقلي يقوم على الاستدلال والبرهان والقياس ، والثاني نهج قلبي
--> ( 1 ) ( ) راجع كتاب ( المنطق الإسلامي أصوله ومناهجه ) للمؤلف القسم الأول .