السيد محمد تقي المدرسي
79
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
ولأنه كان ابن والي الكوفة التي ولد فيها ، وكان يعيش في كنف الخلافة العباسية ، فقد دفع مجموعة من تأليفاته إلى المعتصم العباسي « 1 » . وكان متأثراً بشدة بأفكار المعتزلة ، مما يجعله - بالطبع - ضمن تيار العقليين ، وقد انظم إلى فئة المتكلمين في وجه الحركات المادية والمانوية الفكرية التي كانت سلاحاً بيد المتمردين ضد النظام « 2 » . وقد ذهب الكندي إلى مذهب المعتزلة في أكثر الموضوعات جدلًا ، مثل خلق العالم من عدم ، والإقرار بإمكان حدوث المعجزات . ولكن أهم فرق بينه وبين المتكلمين أنه كان ينتمي إلى تيار الفلسفة الذي يحترم إلى درجة تقديس القدماء آباء العلم والحكمة في نظرهم ، وهم اليونان ، فيقول عنهم : ينبغي أن يعظم شكرنا للآتين بيسير الحق فضلًا عمّن أتى بكثير من الحق ، إذ أشركونا في ثمار فكرهم ، وسهّلوا لنا المطالب الحقية الخفية بما أفادونا من المقدمات المسهلة لنا سبل الحق « 3 » . ولا يخرج الكندي عن إطار الفكر اليوناني بصفة عامة ، كاعتقاده بأن الأجرام السماوية تتسم بالحياة والعقل والفضيلة ، وأن النفس تنتمي إلى عالم الأفلاك ، وأن النفس البشرية بعدما تخرج من البدن تمر بعدة أفلاك حتى تتطهر ، إن لم تكن قد تطهرت في الدنيا بالرياضيات الروحية التي قال بها فيثاغورس ، وبعدئذ تلتحق بعالم المعقول الواقع فيما وراء الأفلاك . ويعتقد الكندي أن كلامه في العقل يتفق مع كلام أستاذه أرسطو الذي يزعم أنه ( الفيلسوف المقدم بين الفلاسفة القدماء ) ويرى أن أفلاطون لا يختلف في الجوهر مع أرسطو في هذا الحقل « 4 » . أما مذهبه في الأخلاق ؛ فقد كان يستوحيه من أفكار الرواقيين في رسالته الموجودة ( الحيلة لدفع الأحزان ) .
--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 109 . ( 2 ) ( ) المصدر . ( 3 ) ( ) المصدر ، ص 111 نقلًا عن ( أبو ريدة ) رسائل الكندي ، ج 1 ، ص 97 وما بعد . ( 4 ) ( ) راجع المصدر ، ص 114 - 127 .