السيد محمد تقي المدرسي

73

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

واقتصرت الترجمة في البدء على كتب الطب والنجوم والكيمياء ، ثم لم تلبث أن شملت الفلسفة والمنطق ، خصوصاً على عهد المعتزلة الذين أحسوا بحاجة ماسة إلى الكتب الفلسفية والمنطقية لإغناء بحوثهم الكلامية ومناظرتهم العقائدية في ردع أصحاب المذاهب المخالفة ، وذلك منذ منتصف القرن الثاني وحتى الرابع الهجري وبحمى شديدة ، وقد رفض أمر الترجمة فرقان هامان : الأول : السريان الذين كانوا يدرسون اللغة اليونانية في مدارسهم للاطلاع على آثار مؤلفي اليونان والإسكندرية . كما أنهم كانوا قد نقلوا إلى العربية كثيراً من الكتب اليونانية ، ولقربهم الجغرافي والعرقي إلى العرب استطاعوا أن يستوعبوا اللغة العربية بسهولة فأصبحوا جسراً بينهما وبين الثقافة اليونانية . الثاني : نساطرة إيران من أساتذة مدرسة جندي سابور الذين كانوا - في الأغلب - مطلعين على اللغة العربية ، وكانوا ملمين باللغات اليونانية والبهلوية والسريانية ، هؤلاء - بدورهم - مدوا جسر الترجمة بين العربية والبهلوية ( الفارسية القديمة ) من جهة ، وبينها وبين اليونانية والسريانية من جهة ثانية « 1 » . ويذكر المؤرخون أسماء عشرات المترجمين الكبار الذين نقلوا خلال قرنين من الزمان مجمل ثقافة اليونان من أصولها اليونانية المحضة ، أو التي مرت على أيدي الشراح والمحررين في مدرسة الإسكندرية ، أو التي ترجمت أولًا إلى السريانية ثم انتقلت إلى العربية « 2 » . وقد تحولت الترجمة في عهد المأمون العباسي إلى مؤسسة ذات شأن عظيم ، وهي التي سميت ب - ( دار الحكمة ) وكان يشرف عليها في البدء مجموعة من الفرس ، وكان تأسيسها على يد الرشيد ، حيث كانت - حسبما يبدو - مجرد خزانة تجمع فيها الكتب اليونانية وغيرها مما غنمه المسلمون في فتوحاتهم للمدن البيزنطية مثل

--> ( 1 ) ( ) تاريخ علوم عقلي در تمدن إسلامي ( بالفارسية ) ، ص 50 - 51 . ( 2 ) ( ) راجع المصدر نفسه من ، ص 51 - 91 حيث يذكر المؤلف أسماء أكثر من 44 من مشاهير المترجمين .