السيد محمد تقي المدرسي

71

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

على الهراطقة الذين دعاهم الفرس ( زنادقة ) تلك التي وجهت ضد المانوية ، وهذه الردود بحد ذاتها تدل على مدى انتشار المانوية في الفكر الإسلامي ، إذ قد يتردد صداها في الإنتاج الأدبي الخالص فضلًا عن المؤلفات الفلسفية والمناقشات الكلامية « 1 » . وكما يأتي الحديث ، فإن الأثر الفارسي تبين في التصوف الذي تسرب من الأفكار الفارسية وبالذات عند شيخ فلاسفة الإشراق السهروردي القتيل . من جهة أخرى ، لابد من التذكير بأن ما أداه الفرس إلى الفكر الفلسفي في الإسلام ، إنما جاء على يد جيل جديد من مفكريهم وفلاسفتهم ، فهؤلاء بعد أن تشربوا أفكاراً يونانية وألمّوا بجانب ضئيل من الثقافة الفارسية القديمة ، كتب لهم : أن يتركوا على تاريخ الفكر الإسلامي طابعاً لا يمحى ، ولقد برز أمرهم إلى حد أن أشهر الذين تألق نجمهم من علماء المسلمين بعد سنة 750 م كانوا - في الغالب - من أصل فارسي « 2 » . أما الأثر الهندي ؛ فقد تجلى في النظرية الذرية التي كانت ذات أثر بالغ على فكر المتكلمين . فقد وضع هؤلاء المتكلمون في ردهم على النزعة الأرسطوطالية نظرية ذرية قائمة بذاتها مؤداها : أن العالم يقوم على ثنائية أساسية ، هي ثنائية الجوهر والعرض ، لم تلبث أن قرنت بمذهب أهل السنة ، فقد قبل متكلمو المسلمين المذهب الذري في المادة والمكان والزمان بما يشبه الإجماع وأقاموا على أساسه نظاماً كلامياً محكماً . لكن الجدير بالملاحظة الآن أن بعض مفارقاتها للأصول اليونانية في نظرتها إلى طبيعة الزمان والمكان والإعراض وقابلية الجوهر والإعراض للفناء - تعكس على ما يبدو - مؤثرات هندية . وهناك مشابهات أخرى عديدة - جديرة بالذكر - ما بين النظرية الذرية الإسلامية والنظرية الهندية ، وما تنطويان عليه من مضامين ، وربما كان من أهم السمات

--> ( 1 ) ( ) تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ص 61 . ( 2 ) ( ) المصدر .