السيد محمد تقي المدرسي

49

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

ويبدو من حديث مأثور عن الإمام ( عليه السلام ) أن التكلم حول القدر ، كان قد أصبح عادة شائعة في عهده ( عليه السلام ) وأن الإمام كان يقاومها بقوة : الحديث يقول : " مرّ أمير المؤمنين على قوم من أخلاط المسلمين وهم قعود في بعض المساجد في أول يوم من شعبان وهم يخوضون في أمر القدر وغيره ، وقد ارتفعت أصواتهم واشتد فيهم محكهم وجدالهم ، فوقف عليهم وسلّم ، فردوا عليه وأوسعوا له ، وقاموا إليه يسألونه القعود عليهم ، فلم يحفل بهم ، ثم قال لهم وناداهم : " يا معشر المتكلمين فيما لا يعنيهم ولا يرد عليهم ، ألم تعلموا أن لله عباداً قد أسكتتهم خشية من غير غِي ولا بكم ، ولكنهم إذا ذكروا الله انكسرت ألسنتهم ، وانقطعت أفئدتهم ، وطاشت عقولهم ، وحامت لحومهم ، إعزازاً لله ، وإعظاماً وإجلالًا ، فإذا فاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية ، يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين ، وأنهم براء من المقصرين ومن المفرطين ، إلا أنهم لا يرضون لله بالقليل ، ولا يستكثرون لله الكثير ، فهم يدأبون له في الأعمال ، فهم - إذا رأيتهم - قائمون للعبادة مروّعون خائفون مشفقون وجلون ، فأين أنتم يا معشر المبتدعين ، أما علمتم أن أعلم الناس بالقدر أسكتهم عنه ، وأن أجهلهم به أكثرهم كلاماً فيه " « 1 » . الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) مضى الإمام الحسن السبط الأكبر لرسول الله على سنة جده وسيرة أبيه في مناهضة الأفكار الباطلة ، ويبدو من رسالته الجوابية التي بعث بها إلى " الحسن البصري " الذي قرأنا معاً سيرته وأفكاره الجبرية « 2 » أنه لم يكن راضياً عنه وعن خوضه في المسائل الكلامية .

--> ( 1 ) ( ) والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة ، أورده ثقة الإسلام النوري في كتابه ( كلمة طيبة ) فارسي ، وربما يأتي في سياق الكتاب تفسير لبعض بنود هذا الحديث بإذن الله . ( 2 ) ( ) يبدو أن الحسن البصري كان جبرّي المذهب ، وربما غيّر مذهبه بعدئذ إلى التفويض ، لأنه كان يغير مذهبه من حين لآخر .