السيد محمد تقي المدرسي

353

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

إن السمع غير البصر ، والقدرة غير العلم ، والعذاب غير الثواب ، والنار غير الجنة ، والظلمات غير النور . والله سبحانه الواحد الأحد الصمد هو السميع البصير ، القادر العليم ، والمعذب المثيب ، خالق النار والجنان وجاعل الظلمات والنور . فكيف كان الله واحداً ، وكانت المسموعات والمبصرات ، والمخلوقات والمعلومات ، والنار والجنات ، والنور والظلمات ؟ ( كيف ) ؟ لا ( كيف ) . خذ الغايات واترك المبادئ . بلى ؛ يكفينا أن نعلم أن ما يخص المفعول ، أي غاية الصفة ، وتجلي الاسم يختلف من صفة إلى صفة ، ومن اسم لاسم ، فغاية صفة القدرة هي أنه فعال لما يريد وإنه إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بينما غاية صفة العلم إنه لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض . وتجلي اسم الغفار ، يتحقق في جنة وغفران ، بينما تجلي اسم شديد العقاب ، يتحقق في نار وسعير ! وكما أن أحدية الله لا تنافي وجود الجنة والنار والدنيا والآخرة ، و . . و . . كذلك صمدية الله لا تنافي أن يكون مالكاً للقدرة ، وعنده مفاتيح الغيب ، وعنده خزائن السماوات والأرض ، وأن يكون في ذات الوقت علام الغيوب . فإن غاية القدرة غير غاية العلم ، وما يتحقق بالقدرة هو الفعل ، وما يتحقق بالعلم هو أن لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض . إنهم وبسبب التفكر في ذات الله ، ومحاولة توهمه والإحاطة به علماً ، وقعوا في مثل هذه المآزق الخطيرة ، ولو أنهم اكتفوا بقول ) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( إذاً لما وقعوا في متاهات الضلال .