السيد محمد تقي المدرسي

352

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

والواقع إن الفلسفة لا تستطيع أن تخرج عن إطار الجبر ؛ لا في الخالق ولا في المخلوق ، وهذا أعظم عُقد الفلسفة الناتجة عن جهل الفلاسفة بالمنهج السليم في الوصول إلى الحقيقة وهو المنهج الوجداني . ذلك لأننا إذا راجعنا وجداننا وعدنا إلى هدى عقلنا - والعقل هو الرأسمال الوحيد في عالم المعرفة - لعرف كل واحد منا أنه قادر على أن يفعل أشياء ويترك أخرى ، وينطق ، ويسعى ، ويبطش ، ويطعم ، ويختار الانتماء أو اللا انتماء ، و . . و . . من منا يشك إذا خرج من دائرة الثقافات الفلسفية الجبرية أنه قادر على كثير من الأفعال وعلى تركها ، على حد سواء ، وأنه ليس كالشجرة التي تنمو على رغم أنفها ، وليس كالحيوان الذي - عادة - يختار طريقه من دون قدرة على تركه ؟ من منا لا يرى نفسه مسؤولًا عن حسناته ، بل عن سيئاته أيضاً ؟ نحن نقيّم الناس على أساس مسؤولياتهم عن أفعالهم ولا مسؤولية إلا بعد القدرة والاختيار . فكيف يجوز لنا أن نخلط بين العلم والإرادة ؟ وكيف يمكننا أن نفسر القدرة بالاضطرار ؟ إن دائرة علمنا أوسع بكثير من دائرة قدرتنا ، نحن نعلم بطلوع الشمس وغروبها ، وانتشار الأنجم في السماء وأفولها ، فهل نحن قادرون عليها ؟ وإذا كان العلم والقدرة شيئاً واحداً ، إذاً كان ينبغي أن يؤثر العلم دائماً وأبداً ، وهل يتصف العلم اتصافاً ذاتياً بشيء ثم ينفصل عنه ؟ ولا يخفى على القارئ مدى سخافة الأمثلة التي ضربوها ، لتأثير العلم ، وهل السقوط من علٍ بسبب العلم أم الجهل وقلة القدرة على التوازن مضافاً إلى تأثير الجاذبية ؟ وأما بالنسبة إلى رب العزة سبحانه وتعالى ؛ فإن الحديث عن ( كيف ) هو الذي أدخلهم في متاهات الضلالة .