السيد محمد تقي المدرسي
351
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
ليس معنى الممكن ما كان وجوده وعدمه متساوياً ، لأن الأشياء - عنده إما موجودة بالضرورة ، أو عدم بالضرورة - بل الممكن ما يكون موجوداً بالغير وإن كان عدمه ممتنعاً ، وهذا مستوحى من أفكار الفارابي التي سبق بيانها . والاعتراضات على المبدأ الرابع فقط ، كثيرة ، وقد تنبه أصحاب النظرية لبعضها وحاولوا الإجابة عنها ، وعادة ما كانت الإجابات إعادة لبيان ذات الفكرة ، أي فكرة الصدور بأسلوب جديد . والواقع أن أساس هذا المبدأ قائم على أمرين : الأول : الجهل بمعنى الإرادة والقدرة فهل الإرادة عند المخلوق هي : الاضطرار إلى عمل شيء ملائم له عالم به ، أم الإرادة خصوصاً عند الخالق هي اختيار أحد طرفي الممكن ؟ وقد اختلط معنى الإرادة بمعنى العلم عند ملا صدرا ، ( أو هُم خلطوهما عمداً ) إلى درجة ، حاول نسبة خلق العالم إلى علم الله سبحانه ولا شيء غيره ، فكما أن صور الأشياء موجودة في أذهاننا بمجرد الالتفات إليها ، كذلك المخلوقات توجد في الصقع الإلهي بالعلم بها . قال : ولا استبعاد في كون العلم نفسه سبباً لصدور الأشياء ووجودها ، كالماشي على جدار دقيق العرض ، إذا تصور السقوط يسقط بتصوره ، وعد من هذا القبيل تأثير بعض النفوس بالعمة والوهم ، وكذا إصابة العين التي علم تأثيرها بأخبار الوحي والسنة من قوله تعالى : وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ( القلم / 51 ) ومن قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " العين تُدخل الرجل القبر ، والجمل القدر " . وإذا جاز أن يكون العلم الضعيف البشري مؤثراً في وجود المعلوم ، فالأولى أن يجوز ذلك في العلم الأزلي الذي أنشأ العالم من العدم الصرف « 1 » .
--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 347 .