السيد محمد تقي المدرسي
327
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
وحين يقولون : إن وجود الله منبسط على الأشياء ، فهم قد لا يدركون أن ذلك هو تأليه للأشياء ، أي جعلها إلهاً ، ولكن بمرتبة دانية ، وربما ينكرون مثل هذه النتيجة التي تترتب على كلامهم ، ولكن ليس المهم التعبير ، بل المهم نوعية التفكير ، فإذا كانت الأشياء تولد ولادة من الله ، وإذا كانت هي مراتب وجوده سبحانه وتعالى ، صادرة عنه ، فهل معنى هذا ، يجوز أن تكون آلهة ؟ وما هو الفرق الحقيقي إذا تجاوزنا الكلمات الغامضة بين هذا القول وبين أرباب النوع عند بعض الفلاسفة اليونان ؟ وأي فرق بين هاتين النظريتين : أ - الأشياء هي الله في مراتب دانية ، كما يقول القائلون بوحدة الوجود . ب - ليس هناك إلا هذه المادة ، والحركة والنظام فيها من طبيعتها - كما يقول الملحدون - وسواء كانت طبيعة الأشياء هي الحركة والنظام أو كانت طبيعتها هو الله ذو النظام والحركة ، فإن النتيجة واحدة . يقول د . حسام الألوسي وهو يقرر هذه المسيرة الفلسفية : لقد وصل أرسطو بالثنائية إلى أوجهاً حتى أصبح وجود الله ضعيفاً واسمياً إلى حد كبير ، وجاءت ( الأفلاطونية ) المحدثة لإنقاذه ولصالح أحادية لاهوتية غير كاملة عندما جعلت العالم والله شيئاً واحداً ، أو أن هذا هو النتيجة اللازمة لقولهم بصدور العالم عن الله ، وفشلت كما رأينا ، وكانت ( الرواقية ) تجنباً لثنائية أرسطو القاطعة ، قد أدخلت الله في العالم فزادت وجود الله ضعفاً ، لأنه استحال عندها إلى صيغة ثانية لقوانين الأشياء نفسها وألهت العالم دون مبرر « 1 » . ويضيف قائلًا : لقد رأينا أن أفلوطين مؤسس نظرية الفيض أصلًا لا يجيز أن ينقسم الله إلى عاقل ومعقول ، ولذلك لا يقال عنده إن الله يعقل ذاته ، بالإضافة إلى أنه لا يعقل شيئاً مما هو دونه وصدر عنه .
--> ( 1 ) ( ) دراسات ، ص 154 .