السيد محمد تقي المدرسي
321
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
2 - محاولة التهرب عن الواجبات الدينية وتحمل مسؤوليات اجتماعية ، إذ أن الإيمان برب قادر قاهر فوق عباده ، يفرض عليهم واجبات ثقيلة ، أما الاعتراف بإله لا يحل ولا يربط ولا يقدر على إعادة الخلق بعد فنائه لا يكلفهم شيئاً كثيراً « 1 » . 3 - الغرور العلمي الذي يبرز في عدم اعترافهم أبداً بالعجز العلمي ، وادعائهم الدائم بأنهم قد بلغوا قمة العلم ، وربما كان هذا الغرور سداً مانعاً أمام البشرية للبحث العلمي الصادق ، وربنا الحكيم يقول : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ اوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ( الإسراء / 85 ) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ( الإسراء / 36 ) التطور التاريخي للنظرية حين عجزت النظرية المادية عن تقديم تفسير واقعي للخلق والنظام لمخالفتها التامة مع فطرة البشر وعقله ، جاء أفلاطون وقدم نظرية الصنع القائمة على أساس الثنائية والزعم بأن المادة كانت قديمة والله القديم صنع منها العالم ، وتتصل بها نظرية ( المثل ) التي يعتقد أفلاطون على أساسها بوجود عالمين : عالم المادة وعالم اللامادة كما هو معروف عنه . وواجهت هذه النظرية انتقاداً لاذعاً عند أرسطو ، حيث قطع الصلة بين المادة القديمة والله القديم ، وزعم بأن المادة ذات تحرك ذاتي ، وأن هدف تحركها الوصول إلى المستوى الإلوهي ، لأنها تعشق الله . وتساءل أرسطو كيف يؤثر اللامادي المطلق الثابت الكامل غير المتحرك ( وهو عنده الله ) في المادي المتكثر المتحرك الناقص ؟ !
--> ( 1 ) ( ) إن من يتدبر في آيات القرآن الكريم يجد أن الصراع بين رسالات الله والكفار لم يكن حول الاعتراف بالله بصفة عامة ، بل حول الإيمان بصفاته وأسمائه وأنه واحد بلا شريك ، وأنه رب ، وأنه هو الذي يهيمن بتدبيره الحكيم على عرش الموجودات ويفرض مشيئته على ظواهر الطبيعة ، وأنه بالتالي يجب أن يطاع من خلال طاعة رسله وأوليائه ، وأنه يثيب ويعاقب في دار الجزاء بعد الموت . وهذه المفردات كلها هي موضع خلاف بين الفلسفة والدين مما يعني أن الفلسفة كانت تحدياً للدين الذي يفرض مسؤولياته .