السيد محمد تقي المدرسي
319
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
وهذا المبدأ أيضاً جوهر الفرق بين المتكلمين والمليين وبين الفلاسفة ، وإذا تعمقنا قليلًا فإننا نجد أن القول بقدم المادة ، بأي صيغة تبلور هذا القول ، هو التفاف على الأديان ، فإن حاجة المادة القديمة إلى الخالق تتحول إلى حاجة رمزية يمكن الاستغناء عنها بسهولة ، وسوف يتبين لك فيما يلي من البحوث هذه الحقيقة . مفارقات نظرية قدم المادة لأن هذه النظرية تعتبر أهم نقطة خلاف أثارت الجدل في تاريخ الفكر ، ولأنها ركيزة نظرية الفيض ، وأيضاً لأنها الفجوة التي تسربت منها أفكار الإلحاد في الأديان الإلهية ، فقد رأينا التحدث عنها بتفصيل مبتدئين ذلك بالحديث عن مفارقاتها ، أو بتعبير آخر ، تاريخها وعلاقة سائر الأفكار الفلسفية بها ، انطلاقاً من مبدأ معروف ، هو : أن الأفكار البشرية ما هي إلا تراكمات النظريات المتداخلة التي تتفاعل مع بعضها وتتواحد وتظهر بمظاهر جديدة وفهم آخرها بصورة أوضح يعتمد على فهم نقطة البداية وكيف تطورت ، وكثيراً ما يفاجأ الناقد الذي ينظر في النظرية الفلسفية لأول مرة بأنها مجة وبعيدة عن الذوق والفطرة ، وكيف تورط هذا الفيلسوف الشهير مثلًا بتبني مثل هذه النظرية ، إلا أنه حين يراجع تاريخ النظرية وتطوراتها والمأزق الذي عاش الفكر مع النظريات السابقة يهون عليه الأمر . مفارقات النظرية المأزق الفكري الذي عاشه الفلاسفة مع الإشكاليات الآنفة الذكر هي وراء ابتداع هذه النظرية ، فلا يزال السؤال حائراً لديهم . ما هي العلاقة بين القديم والحادث ؟ وأساساً كيف خرج الجسم من لا جسم والمادة من لا مادة ، وما هو محرك هذا الكون الغريب ؟ وإذا كان الله هو الخالق فكيف خلق ؟ ومن أي مادة صنع هذه الأفلاك ؟ وإذا تم خلقه من لا شيء أولا من شيء فمتى ؟ ولماذا تأخر خلقه ؟