السيد محمد تقي المدرسي
306
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
وهذا البند هو في الواقع ترديد للبند الخامس الذي سيأتي الحديث عنه مفصلًا إن شاء الله ، إذ أن الفارابي حين أراد أن يعالج مسألة العلاقة بين القديم والحادث ، لم يجد بداً من القول بقدم المادة وأزلية الهيولي ، وحين واجه عقبة ثنائية الأشياء ، حيث أنه مع أزلية المادة لا معنى للثنائية ، تهرب من الأشكال بالقول بثلاثية الأشياء . وهكذا كان منهجه الفلسفي ، الاعتراف بالإشكال والهروب عنه وليس حله . وسوف يتبين لنا حين ننقد البند الخامس أن بصائر القرآن كفيلة برفع هذا الغموض ، فلا يبقى أي تبرير لمثل هذه النظرية بالإضافة ، إلى أن الفارابي وأتباعه لم يفهموا أي دليل معقول على ثلاثية الأشياء الكائنة ، إلا ما حسبوه مخرجاً لإشكالهم على العلاقة بين القديم والحادث وهو ليس بمخرج عن الإشكال ، مثلما يتم بيانه في البند الخامس إن شاء الله . مضافاً إلى تناقض النظرية في هذا البند ، إذ يحق لنا أن نتساءل : ما هو معنى الواجب بغيره ؟ فهل يعني أن ذاته ممكن ، فإذاً كيف يتحول الممكن واجباً ؟ أم يعني ذاته واجب ، فكيف كان بغيره ؟ وإذا كان جود الله يقتضي خلق الهيولي منذ الأزل ، فلماذا لا يقتضي هذا الجود خلق سائر الأشياء مباشرة حتى يصبح كل شيء ممكن الوجود واجب الوجود بغيره ؟ وبتعبير آخر كل برهان تقدمه هذه النظرية على وجوب وجود الهيولي أو المادة الأزلية ، فإنه برهان على وجوب وجود كل الأشياء ، فالأشياء على أساس ذلك قسمان : واجب الوجود بذاته ( وهو الخالق سبحانه ) وواجب الوجود بغيره ، وعدنا إذاً إلى النظرية الثنائية القديمة ، ويبدو أن الفارابي قد أقحم النظرية الثلاثية في الفلسفة انطلاقاً من مذهب النصارى في التثليث المأخوذ بدوره من الأفلاطونية الجديدة وبالذات من أفلوطين الإسكندري « 1 » .
--> ( 1 ) ( ) يعترض ابن رشد على النظرية الثلاثية بالقول : إن هذا ليس قول أحد من العلماء ولا برهان عليه ، وانفرد به ابن سينا والفارابي ولا برهان عليه سوى ظنهم أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد والمصدر ، ص 138 عن ( تهافت التهافت ) . ص 237 ويبدوا أن ابن رشد لم يبلغه مذهب أفلوطين في الثلاثية . وعنى بالقدماء ، فلاسفة اليونان الذين كان يحترمهم إلى حد التقديس ( انظر فلسفة غرب ( فارسي ) ص 557 ) .