السيد محمد تقي المدرسي
301
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
( لأن الله لا يتغير وعلمه وفعله شيء واحد « 1 » ولا يصدر عن الواحد مباشرة إلا واحد ) « 2 » . وعلى أساس هاتين الفكرتين المسلمتين عند أصحاب نظرية الفيض وآخرين من خصومهم ( فقد فاض عنه أزلًا ) وبتعبير آخر ( أولًا ) أولية مرتبية وبالذات العقل الأول ، وعن هذا صدر عقل ثان وجسم فلك وصورته ( نفسه ) . وابتداءً من هذا الصادر الثاني بدأ التركيب والتكثر الذي كان لغزاً عند أرباب الفلسفة والكلام ولكن كيف ؟ ( لأنه ممكن بذاته وواجب بغيره ) وهذه بداية الثنائية . لأنه من جهة ممكن ومن جهة أخرى واجب ، ( وتفكيره بكل ، وبالله ، ينتج عنه شيئان : عقل ثان وفلك بصورته وجسمه - الفيض هنا ثنائي - أو عقل ثان ونفس وفلك ) الفيض هنا ثلاثي ( ويستمر الأمر هكذا حتى نصل إلى العقل العاشر ، فيصدر عنه هيولي ) أي المادة الأصلية الداخلة في ( جمع الموجودات السفلية والبذور ، ويعني بالبذور طبائع والخصائص المميزة لأشخاص ، وأجناس وأنواع الإنسان والحيوان والنبات والجماد ) ونتساءل : كيف تقولون : بأن الله فاعل مختار ، ثم تقولون : بأن العالم صدر عنه أزلًا ؟ وتجيب النظرية بالقول ( ومع أن الله فاعل مختار فقد صدر عنه العالم أزلًا ، لأنه « 3 » علة تامة لا يتأخر عنها فعلها ، ولاستحالة الترجيح بلا مرجح ولقدم الهيولي بالزمان ولاستحالة حدوث الزمان واستحالة حدوث الحركة بعد أن لم تكن ) « 4 » . ونتساءل : لماذا قالت نظرية الفيض هذه بالعقول العشرة ، لا أكثر ولا أقل ؟
--> ( 1 ) ( ) لقد ذكرت بصائر القرآن بأن علم الله ذاتي قديم ، وفعله حادث وليس من ذاته سبحانه . ( 2 ) ( ) بينا أن هذه الفكرة خاطئة بالنسبة إلى ذي القدرة المطلقة . ( 3 ) ( ) هذه إشارات إلى بعض المشاكل الفلسفية الآنفة الذكر التي حاولت نظرية الفيض الإجابة عنها سوف نتحدث إن شاء الله عن مدى صلاحية هذه النظرية لحل الإشكالات . ( 4 ) ( ) المصدر ، ص 116 ، نقلًا عن كتاب الفارابي ، آراء أهل المدينة الفاضلة ، ص 24 - 66 .