السيد محمد تقي المدرسي
279
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
ألف : الاعتراف بالعجز فيما سبق قلنا : إن الإنسان لا يملك قدرة لمعرفة الله ، وإن الله وحده - هو الذي أنعم على عبده من معرفته بقدر ما يشاء ، وهذا هو أول الطريق لمعرفة الله ، إذ أن التفكر في ذات الله وتكلف معرفة الله ، عبر قدرة الإنسان نفسه لاتزيده عن ربه إلا بعداً . والنصوص الإسلامية التالية توضح هذه النقطة في المنهج . 1 - جاء في الحديث عن جعفر بن محمد بن أبيه ( عليهم السلام ) أن رجلًا قال لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : هل تصف لنا ربنا نزداد له حباً وبه معرفة ؟ فغضب وخطب الناس ، فقال فيما قال : " عليك يا عبد الله بما دلك عليه القرآن من صفته ، وتقدسك فيه الرسول من معرفته ، فأتم به واستضيء بنور هدايته ، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها فخذ ما أوتيت ، وكن من الشاكرين ، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ، ولا في سنة الرسول وأئمة الهداة أثره ، فكل علمه إلى الله ولا تقدر عليه عظمة الله ، واعلم يا عبد الله أن الراسخين في العلم ، هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدود المضروبة دون الغيوب ، إقراراً بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فقالوا : آمنا به كل من عند ربنا ، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً " « 1 » . 2 - وفي تفسير قول الله سبحانه ( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ) جاء في حديث مأثور عن أبي عبد الله أنه قال : " إذا انتهى الكلام إلى الله فأمسكوا ، وتكلموا فيما دون العرش ، ولا تكلموا فيما فوق العرش ، فإن قوماً تكلموا فما فوق العرش فتاهت عقولهم حتى كان الرجل ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه ، وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه " « 2 » .
--> ( 1 ) ( ) بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 257 . ( 2 ) ( ) بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 259 .