السيد محمد تقي المدرسي

265

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

بإحداثه البرايا استفاد معنى البارئية ، كيف ولا تغيبه مذ ، ولا تدنيه قد ، ولا يحجبه لعل ، ولا يوقته متى ، ولا يشمله حين ، ولا تقارنه مع ، إنما تحد الأدوات أنفسها ، وتشير الآلة إلى نظائرها ، وفي الأشياء يوجد أفعالها ، منعتها مذ القدمة ، وحمتها قد الأزلية ، وجنبتها لولا التكملة « 1 » ، افترقت فدلت على مفرقها ، وتباينت فأعربت عن مباينها ، بها تجلى صانعها للعقول ، وبها احتجب عن الرؤية « 2 » ، وإليها تحاكم الأوهام « 3 » ، وفيها أثبت غيره ، ومنها أنيط الدليل ، وبها عرّفها الإقرار " .

--> ( 1 ) ( ) إن أي تأثير من الخلق على الخالق محال ، وإن أي كمال يضاف إليه من خلقه محال ، وأي تغيير فيه محال ، لأنه له الكمال المطلق والأسماء الحسنى ، وهكذا لم يستحق معنى الخلق ابتداءً من خلقه ، بل دائماً وأبداً ، لأنه تعالى عن الزمان ، فلا كلمة ( مذ ) التي هي تحجبه عن الأشياء التي لما توجد ، لأن كل شيء عنده سواءً ، سابقها ولاحقها ، ولا كلمة ( قد ) التي هي للتقريب والتحقيق تقرب الأشياء إلى علمه ، لأنه أحاط بكل شيء علماً ، ولا لفظه ( لعل ) التي هي للترجي صادقة في الرب الذي يعلم بكل شيء ، ويقدر على كل شيء . ولا كلمة ( متى ) التي هي للتوقيت ، تعني عند الرب الوقت ، لأن الله تعالى عن الزمان والوقت ، وهكذا لفظه ( حيث ) للزمان أو ( مع ) للمقارنة صادقة في الذي لا يقارن شيئاً زمانياً ، لأن تأثير المخلوقات إنما يكون في أنفسها ، وليس في خالقها المتعالي عنها المقتدر عليها سبحانه . ولأن الله قديم ؛ فإنه لا يصح فيه ( مذ ) ولأنه أزلي فلا تصدق فيه ( قد ) ولأنه الكمال المطلق فلا يصدق فيه ( لولا ) الذي يربط شيئاً بشيء . ( 2 ) ( ) كيف تجلى الرب تعالى لنا ؟ الجواب : بما في الأشياء من دلائل الخلقة ، بسبب محاصرة الحدود المكانية والزمانية وغيرها لها وهي دليل على أنها مصنوعة مخلوقة ، ودليل أيضاً - على أن حواسنا وعقولنا منها ومصممة لعالمها ، وليست بقادرة على تجاوزها إلى خالقها ، بل غير قادرة على الإحاطة علماً بكنهها ، فكيف بذات خالقها سبحانه ؟ ولعل ذلك معنى قوله : " وبها احجب عن الرؤية " . ( 3 ) ( ) قال العلامة لمجلسي - وهو يشرح الفقرات هذه - : وبها أي بالعقول احتجب عن الرؤية ، لأن الحاكم بامتناع رؤيته هو العقل ، وإلى العقل تتحاكم الأوهام عند اختلافها . وقوله " وفيها أثبت غيره " أي كل ما يثبت ويرتسم في العقل فهو غيره تعالى ( المصدر ، ص 244 ) . ويبدو أن العلامة المجلسي قدس سره - يرى أن ضمير ( بها ) يعود إلى المشاعر أو العقول ، بينما الضمير لابد أن يعود إلى أقرب كلمة إليه ، وهي هنا المخلوقات ، وعلى هذا المعنى تبقى جملة " وإليها تحاكم الأوهام " غامضة لديّ .