السيد محمد تقي المدرسي

259

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

( إن الله تبارك وتعالى ، خلو من خلقه ، وخلقه خلو منه ، وكل ما وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا الله عز وجل ) « 1 » . وجاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) إنه قال : " من شبه الله بخلقه فهو مشرك ، إن الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً ، ولا يشبهه شيء ، وكل ما وقع في الوهم فهو بخلافة " « 2 » . وتبين بعض النصوص المفصلة أدلة هذه الحقيقة ، ونذكر نصاً واحداً ، منها ، وهو مستهل خطاب الإمام الرضا ( عليه السلام ) في حشد من علماء ذلك العصر الذي تميز بانتشار الأفكار الفلسفية المنحرفة ، ويوضح الإمام - عبر كلمات بليغة ومفصلة - حقيقة مباينة الخالق عن خلق بذاته سبحانه ، وأنهما نوعان لا يقاس الواحد بالآخر ، وأن وهم البشر الذي يريد أن يشبه خالقه بنفسه ، ضلالة كبرى . دعنا نقرأ معاً خطاب الإمام الرضا ( عليه السلام ) ونتأمل فقراته ، ونتملى بعلمه : « 3 » فقال له بنو هاشم : يا أبا الحسن اصعد المنبر وانصب لنا علماً نعبد الله تعالى عليه ، فصعد المنبر ( عليه السلام ) ، فقعد ملياً لا يتكلم مطرقا ، ثم انتفض انتفاضة واستوى قائماً وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه وأهل بيته ثم قال : أول معرفة الله " أول عبادة الله تعالى معرفته « 4 » . وأصل معرفة الله تعالى توحيده ، ونظام توحيد الله تعالى نفي الصفات عنه « 5 » لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق « 6 » وشهادة

--> ( 1 ) ( ) راجع ميزان المطالب ، ص 47 . ( 2 ) ( ) راجع ميزان المطالب ، ص 48 . ( 3 ) ( ) جاء في الجزء الرابع من موسوعة بحار الأنوار الطبعة الثانية ، الصفحة ( 228 - 230 ) حديث مأثور عن القاسم بن أيوب العلوي : أن المأمون العباسي لما أراد أن يستعمل الرضا جمع بني هاشم فقال : إني أريد أن استعمل الرضا على هذا الأمر من بعدي ، فحسده بنو هاشم ، وقالوا : نوّلي رجلًا ليس له بصر ( ولعل الصحيح بصيرة ) بتدبير الخلافة ، فابعث إليه يأتنا فترى من جهله ما تستدل به عليه ، فبعث إليه فأتاه - وساق الحديث حسبما ننقله في المتن . ( 4 ) ( ) فمن لا يعرف الله ، كيف يعبده ؟ علماً بأن عبادة القلوب بالتوجه إلى الله والتسليم له أعظم من عبادة الجوارح . ( 5 ) لعل مراده بكلمة ( نظام ) ما يؤدي إلى توحيد الله ، وبتعبير آخر : منهج علم التوحيد . ( 6 ) ( ) فالصفة الزاهدة على الموصوف ، دليل التركيب ، والعبارات التالية شرح لهذه العبارة فيما يبدو .