السيد محمد تقي المدرسي
25
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
إلا أن مدرسة ( جنديسابور ) خلطت بين تلك الأفكار وبين المؤثرات الغنوصية التي استوحتها مباشرة من مصادرها الفارسية . وقد أثر هذا الغنوص في المذاهب الباطنية المتطرفة التي جاءت كرد فعل عنيف للإرهاب السلطوي . وربما كانت مذاهب الغنوص في الأصل رد فعل غير مناسب للإرهاب والحرمان ، وكان انتشارها بين الفرس المحرومين والمسحوقين تحت وطأة حكم الإمبراطوريات الظالمة ، كان بهدف الهروب من ثقل الواقع ومسؤولياته إلى الأوهام الغنوصية الحلوة . وهكذا تجد الظروف تأتي متشابهة في ظل الحكم الأموي ، فتهرب مجموعات من الناس إلى ملجأ التمنيات الغنوصية ، وتنتشر بين المحرومين مثل هذه الأفكار ذات المظهر الثوري . ولا ريب أن السلطات شعرت ببعض الخطر ، فاتجهت إلى مطاردة القائلين بها ، كما فعل ( المهدي العباسي ) الذي خصص جزءاً من جهده لقمع من سماهم ب - ( الزنادقة ) ، كما أن السلطات شجعت المذهب العقلي الاعتزالي ، ونشطت حركة الترجمة للكتب العقلية لمقاومة فلسفة الغنوص التي انتشرت كما سبق بين الحركات الباطنية . وبالرغم من أن الإرهاب كان سبب انتشار مثل هذه الضلالات المتطرفة ، إلا إن أبعادها الثقافية تجاوزت حدود الحركات السياسية وهددت الثقافة الإسلامية الأصيلة ، ولذلك قاومها المؤمنون ، ونحن نجد في احتجاجنا ( الإمام الباقر ) و ( الإمام الصادق ) عليهما السلام ضد عبد الكريم بن أبي العوجاء « 1 » المانوي ، وغيره ، نماذج من تحدي الأئمة ( عليهم السلام ) للفكر الغنوصي ، ومع ذلك ، فقد أثرت هذه التيارات في الثقافة الإسلامية .
--> ( 1 ) ( ) انظر موسوعة بحار النوار ، ج 3 و 4 ، الطبعة الثانية .