السيد محمد تقي المدرسي

232

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

وعلى صعيد المجتمع ؛ فإذا خاض صراعاً غير متكافئ مع أعداءٍ طغاة لا يرحمون ، فأشبعوه حرماناً وعذاباً وصغاراً ، هنالك يزداد عدد الهاربين من المواجهة ، والفارين إلى ظل التصوف أو سائر الأفكار التبريرية . وقد سبق الحديث عندما أرخنا التصوف عن حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، حيث بين كيف ظهرت الرهبنة بين النصارى عند تسلط الجبارين على المؤمنين . ونظرية وحدة الوجود تُميع الحدود القائمة بين الظالم والمظلوم ، والعدو والصديق ، فيقول قائلهم ( ابن عربي ) حكاية عن الله : ( أنا لا أتجلى لمن يعبدني إلا على صورة معتقده ) . ويفلسف هذه النظرية ( روجيه غارودي ) الذي أسلم قريباً فيقول : وبعد وفاة النبي بقرن واحد بداً أن هذا الهدف الكبير ، آيل حتماً إلى تحقيق جماعة عالمية موحدة بعقيدة واحدة ، تستوعب عقيدة وثقافة الجميع ، سواء كانت عقيدة السلسلة الإبراهيمية من عظام الأنبياء ، موسى ويسوع ( يقصد عيسى ) ومحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو حكم الهندوس وبوذا والمزديين « 1 » . ويقول د . نصر حامد أبو زيد : إن قلب الصوفي هو وحده القادر على إدراك تنوع الحقيقة في الصور المختلفة مع ثباتها في عينها ووحدتها الذاتية ، ولذلك ؛ فالصوفي يؤمن بكل العقائد ، ويرى نسبتها من الحقيقة المطلقة ، وذلك لأن معتقده فوق كل الاعتقادات ، ويسعها جميعاً « 2 » . وينقل نصاً عن ابن عربي يقول فيه : الحق وإن كان واحداً ؛ فالاعتقادات تنوعه وتفرقه ، وتجمعه وتصوره وتصنعه ، وهو نفسه لا يتبدل ، وفي عينه لا يتحول « 3 » . ونقل عنه قوله :

--> ( 1 ) ( ) وعود الإسلام ، ص 178 . ( 2 ) ( ) فلسفة التأويل ، ص 371 . ( 3 ) ( ) المصدر نقلًا عن الفتوحات 4 / 393 .