السيد محمد تقي المدرسي

222

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

وأيضاً يبالغون في فهم أنفسهم وفي الاعتقاد بمقام درجاتهم ، فهذا شيخهم وعظيم طريقتهم ابن عربي لا يدع في ( فصوصه ) و ( فتوحاته ) مديحاً إلا ويكيله لنفسه ، ولا مرتبة إلا وينتحلها حتى يحسب نفسه خاتم الأولياء بعد الرسول فيقول : وأما ختم الولاية المحمدية ، فهو رجل « 1 » من العرب ، من أكرمها أصلًا وبدءاً ، وهو في زماننا اليوم موجود عرفت به سنة خمس وتسعين وخمسمائة ، ورأيت العلامة التي قد أخفاها الحق فيه عن عيون عباده ، وكشفها لي بمدينة فاس حتى رأيت خاتم الولاية منه ، وهي الولاية الخاصة لا يعلمها كثير من الناس ، وقد ابتلاه الله بأهل الإنكار عليه فيما يتحقق به من الحق في سره ، وكما أن الله ختم بمحمد نبوة الشرائع ، كذلك ختم الله بالختم المحمدي الولاية التي تحصل من الورث المحمدي ، لا التي تحصل من سائر الأنبياء ، فإن من الأولياء من يرث إبراهيم وموسى وعيسى ، فهؤلاء يوجدون بعد هذا الختم المحمدي ، وبعده فلا يوجد وليّ على قلب محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، هذا معنى خاتم الولاية المحمدية ، وأما ختم الولاية العامة الذي لا يوجد بعده وليّ فهو عيسى « 2 » . ويتبع أغلب الحكماء هذا النهج في تقديس آرائهم ، وكيل المديح لأنفسهم إلى درجة تقربهم من درجات النبوة ، فمثلًا : ترى ملا صدرا الذي يعبر عن ابن عربي بالعارف المتأله ، لا ينسى أن يمدح نفسه في كتابه الذي أسماه ب - ( الحكمة المتعالية ) ، وبالرغم من أنه لا يبلغ مستوى ابن عربي في مدح نفسه ، لكنه يشير في ثنايا كتابه إلى أنه قد وصل بعقله إلى ما بلغه الأنبياء ( عليهم السلام ) بالوحي ، يقول : ( هذه - أي الحكمة - تحصل تارة بطريق الوحي والرسالة فتسمى بالنبوة ، وتارة بطريق السلوك والكسب فتسمى بالحكمة والولاية ، ولا يقول بمخالفتها في المقصود من لا معرفة ( له ) لتطبيق الخطابات الشرعية على البراهين الحكمية ، ولا يقدر على ذلك إلا مؤيد من عند الله عز وجل ، كامل في العلوم الحكمية ، مطلع على الأسرار النبوية « 3 »

--> ( 1 ) ( ) يقصد بذلك نفسه حسب قول شارحة القيصري ، ويظهر ذلك من كثير من عبارات ابن عربي . ( 2 ) ( ) عارف وصوفي چه ميگويند ، فارسي ص 173 . ( 3 ) ( ) الحكمة المتعالية ( الأسفار ) الطبعة الثالثة ، ج 3 ، ص 327 .