السيد محمد تقي المدرسي

201

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

قالوا : العلم بالمعلول يستلزم العلم بالعلة ، وإذا كانت الحقائق متباينة ، وكان المخلوق غير متحد مع الخالق ، فكيف يستلزم العلم بحقيقة المخلوق العلم بالخالق ، وهما حقيقتان متباينتان ؟ ويُرد عليه : أولًا : أن هذه القاعدة غير ثابتة في كل معلول ، وإنما في المعلول الذي يكون من جنس العلة ، وحتى هذا النوع من العلل لا يُستوجب دائماً بالعلة إذا كان مرادنا من العلم الإحاطة العلمية ، هل العلم بالحرق يوجب الإحاطة علماً بالنار التي أوجبته ؟ كلا . بلى ، إنه يوجب علماً بوجود علة ما . ثانياً : أن هذه القاعدة لو صدقت - في المخلوق ، فهي غير صادقة في الخالق الذي يستحيل العلم بحقيقته ، أما مجرد العلم بوجوده ، فإن وجود السنخية - كما قلنا - غير ضروري فيه . مذاهب العرفاء في وحدة الوجود بالرغم من أن مذهب ( وحدة الوجود ) في الأفق الفلسفي يعتبر منطلقاً لمذاهب العرفاء والصوفية ، ودعماً لها ، إلا أن هناك فرقاً من وجهين بينه وبينها هما : أولًا : أن مذاهب الصوفية قائمة على أساس التجربة والذوق أكثر مما تقوم على أسس القياس والبرهان ، ولذلك لم يكلفوا أنفسهم عناء الجدل مع الطرف الآخر لإثبات مذهبهم ، بل لم يتكلفوا حتى بيان مذهبهم ، مما جعلنا في حيرة منه ، بل قد تعمدوا تغليف مذهبهم بأسلوب رمزي ، يتخذ من الشعر والأدب وسيلة للتعبير خوفاً من البوح بالسر الخفي ، وحذراً من تهمة المؤمنين ، وتكفير الفقهاء الموحدين . ثانياً : أن بعض الحكماء المتأخرين حاول إثبات أفكاره العرفانية بالبراهين العقلية ، ورأى - في مسألة الوجود - رأياً متطرفاً ، وأوصل العرفان إلى نهاية