السيد محمد تقي المدرسي
194
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
الوجود هو العدم ، فلزم تعطيل العالم عن المبدأ الموجود ( أو بتعبير آخر إنكار الخالق ) ، وأما أن لا نفهم شيئاً ، فلزم تعطيل عقولنا عن المعرفة . ويحق لنا أن نقول : إن عقولنا عاجزة - فعلًا - عن فهم الوجود في مقام الألوهية . فهل الاعتراف بالعجز جريمة ؟ ! والواقع إن أعظم الذكر وأشرفه ( سبحان الله ) وهو يعني تنزيه الخالق العظيم من الشبه بالمخلوقين ، ولا ريب أن الاعتقاد بقدرة العقل على فهم ( وجود ) الخالق يتنافى وتنزيه الله وتقديسه ، والأفضل أن نعلن عن عجزنا عن فهم أي شيء عن الخالق غير ما دلت عليه الآيات بصورة مباشرة . 3 - لنفترض أننا لم نشاهد تفاحة وقلنا : التفاحة غير موجودة فهل يعني هذا أن شيئاً آخر مثلًا : الكمثرى غير موجودة أيضاً ، بالطبع الجواب يأتي بالنفي إذ نقول : هناك شيء موجود ، ولكنه ليس التفاحة ، بل الكمثرى ، أليس في هذا دليل على أن الوجود قاسم مشترك ، فإذا فقد جزء منه ، فلا يعني فقدان جزء آخر منه ؟ ويمكننا أن نجيب عن هذا الدليل بما يلي : أولًا : أن هذا دليل لفظي ، بينما نتحدث نحن عن مقام الحكمة ، ونحتاج فيه إلى دليل عقلي . ثانياً : أهم شيء إثبات اشتراك الوجود المعنوي بين الخالق والمخلوق ، ودليلهم خاص بالمخلوقات فقط . والواقع أن السؤال لا يزال في معنى الوجود ، فهل معناه ( إثبات ) الشيء بحيث يخرج من إطار العدم ، وبهذا المقدار يكون لفظ الوجود مشتركاً اشتراكاً معنوياً ، وأما إذا كان معنى الوجود يتجاوز مجرد إثبات الشيء ويدخل في التفاصيل ، فإن تعقلنا لوجود الباري محال .