السيد محمد تقي المدرسي

187

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ( الأنبياء / 29 ) وهكذا تنفي آيات الذكر بكل تأكيد ممكن إضفاء الألوهية على الأشياء - وتفصلها عن مقام الألوهية ، وهل نجد أبلغ شهادة من هذه الآيات تدلنا على أن الله غير خلقه ، وخلقه غير الله ، وأن خلقه بالتالي شيء متحقق وقائم به . إن هذه المغايرة بين الله وبين خلقه هي أحد معاني التسبيح الذي هو أعظم ذكراً ، فالتسبيح يعني أن ربنا ليس كمثل خلقه ، وأن كل صفات الخلق التي يلصقها وهم البشر حين يتوهم ربه ، ليست فيه فهو سبوح وقدوس . بل كل شيء مخلوق يشهد على أن الخالق غيره ، وأنه لا يشبهه ولا يضرب به له المثل ، أوليس هذا هو معنى قوله سبحانه . سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( الحديد / 1 ) يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( الجمعة / 1 ) وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ( الإسراء / 44 ) وَتَرَى الْمَلآَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ( الزمر / 75 ) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلآَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ( الرعد / 13 ) وعندما يبين القرآن الحكيم ذنوب العباد أو شركهم بالله أو ما أشبه ، لا يلبث أن يقدس الرب لكي يدفع الوهم البشري السخيف الذي يخلط بين الخالق والمخلوق . تدبر في الآيات اليتالية : قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ( المائدة / 116 ) فَلَمّآ افَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَانَاْ اوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( الأعراف / 143 ) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ ( الفرقان / 18 ) فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلآَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( الأنبياء / 87 )