السيد محمد تقي المدرسي
181
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
بعض الناس يحملون معهم أشياء تظهر فوق الحائط ، وتلقي ظلالها على الجدار الداخلي الذي يتوجه إليه المسجونون ، فيرى هؤلاء الظلال ويزعمون أنها حقائق ، بينما الحقيقة شيء آخر ، ولا يمكنهم وجدانها من دون التحرر من الأغلال والخروج من الكهف ! ؟ « 1 » . وهكذا يرى أفلاطون العالم المحسوس الذي يدركه عامة الناس عالم المجاز ، بينما يرى العالم الحقيقي هو عالم المعقولات . وربما لم يكن أفلاطون قد بلور في نظريته فكرة وحدة الوجود ، أو حتى أصالة الوجود بصورتها النهائية ، إلا أن مجدد نظرياته في مدرسة الإسكندرية ( أفلوطين ) كان له قصب السبق في توضيح هذه النظرية ، بالرغم من أن كمال النظرية - إن صح التعبير - كان على يد صدر المتألهين . كان أفلوطين قائلًا بوحدة الوجود - يعني كان يزعم أن الحقيقة واحدة ، وأن الأحدية أصل ومنشأ كل شيء ، وأن الموجودات ترشُح فيضٍ من ذلك المبدأ الأول ، وأنه مصدر الكل ، ويرى أن نهاية الوجود وغايته أيضاً : الرجوع إلى ذلك المبدأ ، حيث أنه يدرك في ( قوس النزول ) « 2 » العوالم الروحانية والجسمانية ، وينال في ( قوس الصعود ) الحس والتعقل والإشراق والكشف والشهود « 3 » . وأفلوطين كان قد تأثر وبعمق بنظرية الغنوص الشرقية ، إلا أنه بينها بلغة المنطق اليوناني . وهو لا يرى حقيقة للأشياء ( أو الماهيات ) إنما الحقيقة للأول ويقصد به المبدأ . إن الوجود الحقيقي إنما هو وجود ( الأول ) أو ( الواحد ) أو ( الله ) بأسمى ما له من كمال الربوبية ، فكل شيء صدر عن ( الأول ) وإلى ( الأول ) يعود « 4 » .
--> ( 1 ) ( ) سير حكمت در أوروبا ، فارسي ، لمحمد علي فروغي ، ج 1 ، ص 29 . ( 2 ) ( ) لعلنا نتحدث بإذن الله عن مصطلح قوس الصعود وقوس النزول ضمن نظرية أفلوطين وأتباعه . ( 3 ) ( ) سير حكمت در أوروبا ، فارسي ج 1 ، ص 86 . ( 4 ) ( ) من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية ، ص 230 .