السيد محمد تقي المدرسي

172

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

( فيثاغورس ) وتابعيه في الإلهيات قواعد ، وانتزعوا من لاهوتيات أهل الكتاب والوثنيين جملًا وألبسوها لباساً إسلامياً ، فجعلوها علماً مخصوصاً ميزوه باسم علم التصوف أو الحقيقة أو الباطن أو الفقر أو الفناء أو الكشف والشهود ، وألفوا وصنّفوا في ذلك كتباً ورسائل ، وكان الأمر كذلك إلى أن حل القرن الخامس وما يليه من القرون ، فقام بعض الدهاة في التصوف فرأوا مجالًا رحباً وسيعاً لأن يحوزوا بين الجهال مقاماً شامخاً كمقام النبوة ، بل الألوهية باسم الولاية والغوثية والقطبية بدعوى التصرف في الملكوت بالقوة القدسية ، فكيف بالناسوت ، فوسّعوا فلسفة التصوف بمقالات مبنية على مزخرف التأويلات والكشف الخيالي والأحلام والأوهام ، فألفوا الكتب المتظافرة الكثيرة ككتاب ( التعرّف ) و ( الدلالة ) و ( الفصوص ) و ( شروحه ) و ( النفحات ) و ( الرشحات ) و ( الكاشفات ) و ( الإنسان الكامل ) و ( العوارف والمعارف ) و ( التأويلات ) ونحوها من الزبر والأسفار المحشوة بحكايات مكذوبة وقضايا لا مفهوم لها البتّة . . . فلما راج متاعهم وذاع ذكرهم وراق سوقهم ، تشبعوا فرقاً وشعوباً ، وأغفلوا العوام والسفلة بالحديث الموضوع المفترى : " الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق " . عصمنا وإياكم من تسويلات العرفان وحيكة الفلسفة والتصوف ، وجعلنا وإياكم ممن أناخ المطية بأبواب أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولم يعرف سواهم آمين آمين « 1 » . ابن الجوزي يهاجم التصوف وأوسع هجوم من جانب أهل السنة على التصوف والصوفية هو ما قام به أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة ( 597 ه - ) في كتابه المشهور باسم ( تلبيس إبليس ) ( البابان العاشر والحادي عشر ، ص 155 - 373 ) . وها نحن نلخص المآخذ التي أخذها أهل السنة ( بالمعنى الواسع جداً ) على التصوف والصوفية كما يذكرها ابن الجوزي :

--> ( 1 ) ( ) عارف وصوفي چه ميگزيمد ، ص 32 - 33 نقلًا عن إحقاق الحق والمجلد الأول ، ص 183 - 185 .